السيد محمد تقي المدرسي
65
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وروي عن الساباطي قال : قلت لأبي عبد الله ( الإمام الصادق ) عليه السلام : إن أبا أمية يوسف بن ثابت حدّث عنك أنّك قلت : لا يضرّ مع الايمان عمل ، ولا ينفع مع الكفر عمل ؟ فقال : " إنه لم يسألني أبو أمية عن تفسيرها ، إنما عنيت بهذا أنّه من عرف الإمام من آل محمد ويتولّاه ثم عمل لنفسه بما شاء من عمل الخير ، قبل منه ذلك وضوعف له أضعافاً كثيرة ، فانتفع بأعمال الخير مع المعرفة . فهذا ما عنيت بذلك ، وكذلك لا يقبل الله من العباد الأعمال الصالحة التي يعملونها إذا تولّوا الإمام الجائر ، الذي ليس من الله تعالى " . فقال له عبد الله ابن أبي يعفور : أليس الله تعالى قال : ( مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ) فكيف لا ينفع العمل الصالح ممن تولّى أئمة الجور ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام : " وهل تدري ما الحسنة التي عناها الله تعالى في هذه الآية ؟ هي معرفة الإمام وطاعته ، وقد قال الله عزّ وجلّ : ( وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) . وإنما أراد بالسيئة إنكار الإمام الذي هو من الله تعالى . ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : من جاء يوم القيامة بولاية إمام جائر ليس من الله ، وجاءه منكراً لحقّنا جاحداً لولايتنا ، أكبّه الله تعالى يوم القيامة في النار . " « 1 » والولاية الإلهية تدخل في تنظيم العلاقات الاجتماعية ؛ فالجهاد لا يكون إلّا بأمر الإمام ، وكذلك القضاء من وظائف الإمام ، والاشراف على شؤون السفهاء والمحصور عليهم ، ومن لا ولي له من القصر عن شؤونهم ، وكذلك إقامة الحدود والتعزيرات وبسط العدالة من واجباته . ثالثاً : حوافز الولاية الإلهية ليست المصالح ولا الحميات ولا الرهبة ، هي وراء طاعة الناس لولي أمرهم ، ولو كانت واحدة من تلك لكانت الطاعة لوناً من الشرك ، واتباع الطاغوت ، أو في أحسن الفروض تقاة . قال الله سبحانه : ( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ اولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( البقرة / 257 ) وقد فصّل القرآن الحكيم جوهر الولاية الإلهية ، والذي هو أصل كل بواعث الخير في البشر ؛ ألا وهو الحب الإلهي . قال الله سبحانه : ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 27 ، ص 170 - 171 ، ح 11 .