السيد محمد تقي المدرسي
519
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
صفوة الفضائل وصفوة الفضائل التي ينبغي للانسان المؤمن أن يتحلى بها ، نجدها في كلمة جامعة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، في وصفه للمتقين . وهنا نأتي على ذكرها لتكون مسك ختام كتابنا هذا ، وهي خير سبيل للوصول إلى قمة الفضائل ، التي هي زينة الانسان . فقد روي أن صاحب لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له همام ، كان رجلًا عابداً ، فقال له : يا أمير المؤمنين ؛ صف لي المتقين كأني أنظر إليهم . فتثاقل عن جوابه ، ثم قال عليه السلام : يا همّامُ ؛ اتقِ اللهَ وأحْسِنْ فَ - ( إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) . لم يقنع همّامٌ بِذَلِكَ القول ، حتّى عزم عليه . فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبي صلى الله عليه وآله ، ثم قال عليه السلام : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ ، لِانَّةُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ . فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ . فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ ؛ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقْتصَادُ ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ . غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ . نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ ، كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ . ولَوْ لَا الْاجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ ، لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ . عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ . فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ . وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ . قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ .