السيد محمد تقي المدرسي

520

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً ، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم . أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا ، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا . أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ ، تَالِينَ لِاجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا ، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ . فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً ، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً ، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ . وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ . وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ ، يَنْظُرُ إِلَيْهمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض ، وَيَقُولُ : قَدْ خُولِطُوا ! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ ! لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ ، وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ . فَهُمْ لِانْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ . إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ، وَرَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسي ! اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ . فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين ، وَحَزْماً فِي لِين ، وَإِيمَاناً فِي يَقِين ، وَحِرْصاً فِي عِلْم ، وَعِلْماً فِي حِلْم ، وَقَصْداً فِي غِنىً ، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَة ، وَتَجَمُّلًا فِي فَاقَة ، وَصَبْراً فِي شِدَّة ، وَطَلَباً فِي حَلَال ، وَنَشاطاً فِي هُدىً ، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع . يَعْمَلُ الْاعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَل ، يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ . يَبِيتُ حَذِراً ، وَيُصْبِحُ فَرِحاً ؛ حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ . إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيَما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيَما تُحِبُّ . قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيَما لَا يَزُولُ ، وَزَهَادَتُهُ فِيَما لَا يَبْقَى ، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمَ ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ . تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ ، قَلِيلًا زَلَلُهُ ، خَاشِعاً قَلْبُهُ ، قَانِعَةً نَفْسُهُ ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ ، سَهْلًا أَمْرُهُ ، حَرِيزاً دِينُهُ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ ، مَكْظُوماً غُيْظُهُ . الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ . إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ . يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ .