السيد محمد تقي المدرسي

448

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ومرة أخرى نعرف أن تقدير الله خير من تمنيات البشر ، وأنه إنما قد بسط الرزق لبعض عباده إمتحاناً لهم ، وربما إستدراجاً ، بينما قدر رزق آخرين رحمة بهم وفضلًا . 14 / ولأن الله قد قدّر الليل والنهار ، فقد أوصى إلى عبده ورسوله المصطفى محمد صلى الله عليه وآله كيف ينظم الوقت ، وتاب على المسلمين فلم يأمرهم بأن يقوموا الليل كله بالعبادة ، لأنه يعلم أنهم لن يحصوه ، وإنما أمرهم بأن يقرأوا ما تيسر من كتابه . قال الله سبحانه : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطآئِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرءَانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( المزمل / 20 ) . ونستفيد من الآية البصائر التالية : أ - القاعدة هي اشتغال المؤمن بعبادة ربه ، وقراءة القرآن ، وبالذات في الليل . ولكن لأن في الناس مرضى ، وتجاراً ومقاتلين ، فان الله تاب على المؤمنين ، فأمرهم بأن يتلوا من القرآن ما تيسر لهم . ثم أمرهم بجملة واجبات لا يجوز لهم التهاون فيها ، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً ( بالانفاق فيما يبدو ) . ب - على المؤمن أن يقسم وقته بين واجبات دينه وضروريات حياته ، على أن يجعل القاعدة عبادة ربه . 15 / والله سبحانه الذي قدّر ، هو الذي هدى إلى تقديره إما بصورة فطرية ، حيث قدّر قوت كل حي وهداه إلى حيث يحصل على ذلك الرزق ؛ أو بصورة وحي ، حيث قدّر للانسان أنظمة صالحة فأوحاها إلى رسله . قال الله سبحانه : ( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) ( الأعلى / 3 ) . 16 / والانسان مخلوق مقدّر ، فكل ما فيه من أبعاد جسدية ونفسية وعقلية ، وكثير مما يجري عليه من حوادث فيما بينها معيشته ، ومحياه ومماته مقدّرة . قال ربنا سبحانه : ) مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) ( عبس / 19 ) . 17 / ورزق البشر مقدّر ، ومن رزقه غيث السماء الذي ينزله الرب بقدر . يقول عز من قائل : ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ