السيد محمد تقي المدرسي
449
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَامَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ) ( الرعد / 17 ) . إن الأودية تستوعب من الماء بقدر سعتها ، فلكل واد نصيب من الماء هو بقدر سعتها وحاجة أهلها . 18 / والماء النازل من السماء مقدّر ، وهدفه نشر بلدة كانت ميتاً ، حيث يقول ربنا سبحانه : ( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) ( الزخرف / 11 ) . 19 / والماء لا ينزل من السماء بما يفسد الأرض لكثرته ، أو بما لا ينفعها لقلته . وقد تجف الوديان ويقدر الله الرزق على عباده رحمة بهم ، لأنه لو بسطه لهم لبغوا وكان جزاء بغيهم عليهم نقمة شاملة ، قال الله تعالى : ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) ( الشورى / 27 ) . 20 / والله المقدر للماء ، قادر على الذهاب به ( فالتقدير كما أصل الغيث رحمة إلهية ) . قال الله سبحانه : وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَاسْكَنَّاهُ فِي الارْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ) ( المؤمنون / 18 ) . ومعرفة البشر باحتمال فقدان النعمة ، تدعوهم إلى شكر المنعم ، والسعي نحو المحافظة على النعمة . 21 / وتحيط بالانسان سنن التقدير منذ ابتداء خلقته حتى الوفاة ، وحتى كثير من تفاصيل حياته تشملها سنة التقدير ( القدر ) ، حيث يقول ربنا سبحانه : ( إِذْ تَمْشِي اخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلَى امِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) ( طه / 40 ) . بلى ؛ للانسان هامش واسع من الاختيار يبتليه الرب به ، وفي حدود هذا الهامش يقع مصير البشر ، حيث أوكله الله إلى نفسه . وبعد أن هداه النجدين وجعل الجزاء تابعاً لما أراده لنفسه ، فإن أحسن أحسن لنفسه ، وإن أساء أساء لنفسه . وفي ليلة القدر ، وفي كثير من مظانّ استجابة الدعاء ، يستطيع البشر بتوفيق الله أن يدعوه ، فيتغير سوء حاله إلى أحسن الحال .