السيد محمد تقي المدرسي
438
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
فعلى الإنسان أن يتصور أبداً حسابه عند ربه البصير ، الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض ، وأن ينظّم حياته وفق ذلك الحساب . 1 / ينشق عن الإنسان جدثه يوم القيامة ، فيلقى من يقدم له كتابه الذي كان طائراً في عنقه ، وكان يحصي عليه كل شيء ، ولكنه كان مخفياً عنه في الدنيا بهدف الابتلاء ؛ يقدم إليه ذلك الكتاب ، ويقال له : أما الآن فبامكانك أن تقرء كتابك وأن تحاسب نفسك . قال الرب تعالى : ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) ( الاسراء / 13 - 14 ) 2 / أما الكتاب ( الذي سجّلت فيه أعمال الإنسان ) فقد أحصى عليه كل شيء ، فإذا رآه الكافرون أشفقوا مما فيه ودعوا لأنفسهم بالويل والثبور . قال ربنا سبحانه : ( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلآَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يِظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) ( الكهف / 49 ) 3 / وفي أحد مواقف الآخرة التي تبلغ خمسين موقفاً ، يوقف المرء ليسأل . قال الله تعالى : ( وَقِفُوهُمْ انَّهُم مَّسْؤُولُونَ ) ( الصافات / 24 ) وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : " فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإنّ أمكنة القيامة خمسون موقفاً ، كلّ موقف مقام ألف سنة . " ثم تلا هذه الآية : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ) . « 1 » والناس في الحساب ثلاث فئات ؛ فمنهم من لا يحاسب ، بل يدخل الجنة رأساً ، وهم المصطفون . ومنهم من يحاسب حساباً يسيراً ، وهم المقتصدون ( الصالحون ) . ومنهم من يحاسب حساباً على امتداد يوم القيامة . هكذا نقرء في الحديث التالي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنه قال : " في قوله تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا . . . ) فأمّا الذين سبقوا ، فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب . وأمّا الذين اقتصدوا ، فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً . وأمّا الذين ظلموا أنفسم فأولئك الذين يُحبسون في طول المحشر . . . " « 2 » 4 / ومن هنا فإن المؤمنين في الدنيا يخافون سوء الحساب ( والمداقة فيه ) ، ويرغبون إما في دخول الجنة بلا حساب ، لأن للحساب هيبته ، أو أن يحاسبوا هناك حساباً يسيراً . قال
--> ( 1 ) ميزان الحكمة ، ج 2 ، ص 406 ، ح 3839 . ( 2 ) المصدر ، ص 414 ، ح 3874 .