السيد محمد تقي المدرسي

439

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

الله سبحانه : ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) ( الرعد / 21 ) وقد جاء في حديث قدسي : ما من عبد أنصبته للحساب إلّا هلك . وجاء في تفسير نور الثقلين : " روي أن الحساب اليسير هو الإثابة على الحسنات والتّجاوز عن السيئات ، ومن نوقش في الحساب عذّب " . « 1 » وهكذا يرجوا المؤمنون أن يحاسبوا بالصفح والفضل ، لا بالقسط والعدل ، لأنهم يخافون من عدل الله فيهم . وقد روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ، أنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كل محاسب معذّب . فقال له قائل : يا رسول الله ؛ فأين قول الله عزّ وجل : ( فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ) ؟ قال : ذلك العرض يعني التصفح " . « 2 » 5 / ووعي المؤمن للحساب يهديه إلى الدقة البالغة فيه ، لكي يحاسب نفسه على حقيقة العمل ، لا على مظاهره فقط . فإنما يتقبل الله من المتقين ، ولا يقبل من صلاة العبد إلّا ما توجه فيه ، وإنما ينال الله التقوى من أضحيته لا دماءها ولا لحومها . وهكذا قال ربنا سبحانه : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) ( الأنبياء / 47 ) فأي عمل وأي عامل يصمد أمام مداقة الحساب عند الرب ؟ ولذلك نجد أن دعاء المؤمنين لربهم يتمثل في أن يعاملهم الله بفضله ، وإنهم يتضرعون إلى ربهم قائلين : ربنا عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك . ونقرء في دعاء الإمام الباقر عليه السلام : " إلهي إن عفوت فمن أولى منك بالعفو ، وإن عذّبت فمن أعدل منك في الحكم ، إرحم في هذه الدنيا غربتي ، وعند الموت كربتي ، وفي القبر وحدتي ، وفي اللحد وحشتي ، وإذا نشرت للحساب بين يديك ذل موقفي " . « 3 » 6 / والتقوى في الدنيا حصن المؤمن من المداقة في الحساب يوم القيامة ، حيث يقول ربنا سبحانه : ( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ( الانعام / 69 )

--> ( 1 ) ميزان الحكمة ، ج 2 ، ص 416 ، ح 3880 . ( 2 ) المصدر ، ح 3879 . ( 3 ) مفاتيح الجنان ، من دعاء أبي حمزة الثمالي .