السيد محمد تقي المدرسي

14

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

فمن أعانه اللَّه على نفسه فعرف عقله ، وزكاه بنور الوحي ، وقمع شهواته بروح الإيمان ، واستعاذ باللَّه من وساوس‌الشيطان وهمزاته ولمزاته ، فاتصل قلبُه عبر نور ولاية اللَّه وولاية أوليائه وعبر ضياء عبودية اللَّه الخالصة ، اتّصل‌بالحقائق حتى شاهدها عين اليقين ، إنه يرى - يؤمئذ - حقائق الدين ، ويستنبط أحكامه من جوامع العلم التي يأخذهامن نبع كتاب اللَّه الصافي ومن ضياء سنّة النّبي وأهل بيته ، وبما أوتي من نور العقل . أمّا من لم يزل في ظلمات الهوى والشهوات وتحيط به غشوات الغفلة والجهالات ، فعليه أن يبتعد عن الفتيا . وإنّ من‌مصائبنا أننا بدل أن نفتش عن مناهج الدين في معرفة الأحكام الإلهية ، ترانا نخوض في غمرات الشك ونتساءل دائماًعن وظيفة الجاهل ، كمن لا يعالج بصره حتى يرى الحقائق رأي العين ، ويفتش دائماً عن عصى العميان . ولو بذلنا هذاالجهد الكبير الذي صرفناه لمعرفة وظائف الشاك ، لو بذلناه لمعرفة سبل المعرفة لكفانا علماً وهدى بلى ؛ إنّ بلوغ حقائق الدين ليس بذلك العمل البسيط ، لأنه بحاجةٍ إلى التسليم النفسي لأمر اللَّه حتى يتغلّب الإنسان‌على الكبر والغرور في نفسه ، وكما أنه بحاجة إلى تزكية نفسه من رواسبها ، ومن أغلال الشهوات ، وآصار الطغاة . ولعلّ تأكيد الوحي على التسليم للرسالة والرسول ، والتصديق به ، وتعزيره ، ونصره ، وعدم الإحساس بالحرج من‌قضائه ؛ كل ذلك يأتي تمهيداً لتخلص النفس من الرواسب المادية ، لكي تستعد لتلقي الحكمة الإلهية . ومن الرواسب التي تتخلّص النفس حينئذ منهابإذن اللَّه - غرور العلم بالمطلق ، حيث ساق جهل الإنسان البدائي ، وما أفرزه من فلسفةٍ ناشئةٍ في عهد اليونان الأقدمين ، ساقه إلى أن يزعم أنّه قادرٌ على الإحاطة علماً بالكليات ابتداءًمن خالق السماوات حتى طبيعة السماوات ، وجوهر الموجودات وطبيعة الإنسان . لذلك تراه تخبّطَ في أكثر الموضوعات‌خبط عشواء ، وتكلّفَ علوماً لم يملك شيئاً من أدواتها ، كعلم الفضاء حيث اعتقد بأنّ للسموات روحاً وأنّها عقولٌ مجردةوما أشبه ، وهذا الغرور الناشئ من الجهل جعله يعيش حالة الجهل المركّب . وكان أثر هذه الحالة في مجال المعارف فجيعاً ، إذ تراه يبحث فيها عن نوعٍ من اليقين لا يوجد إلّا في الرياضيّات ، ولأن هذا اليقين لم يكن يحصل له بالبحث التجريبي والدراسة الميدانية ،