السيد محمد تقي المدرسي

15

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

والسبل العقلائية للمعرفة ، كفر بجدوائية هذه‌الأبواب الطبيعية للمعرفة ، وصنع لنفسه هرماً من الأقيسة الرياضيّة لعلّه يقف عليها وينظر من قمتها إلى حقائق‌الأشياء . وكان مصيره بالتالي الجهل العميم الذي يقول عنه الإمام علّيعليه السلام : ( من ادّعى من العمل غايته ، فقد أظهرمن الجهل نهايته ) « 1 » . ومن هنا ينبغي التخلص من غرور الجهل والاعتراف بحدود النفس في مجال المعرفة ، لأنه كما يقول أمير المؤمنين‌عليه السلام : ( غاية العقل الاعتراف بالجهل ) « 2 » . وكما أن الكمال المطلق لا يوجد في المخلوق ، كذلك العلم المطلق ، حيث لا يعلم الغيب إلّا اللَّه ؛ حيث يقول ربّنا لرسوله‌الأكرم : وقُل ربِّ زِدني علما . والذين يدّعون العلم المطلق يخلطون بين العلم والجهل ، ويضلون السبيل ، بينما الذين يعرفون قدر أنفسهم يضعون‌حدّاً واضحاً بين ما يعلمون وما يجهلون . ولعل مراد الدين منا ، هو تزويدنا بفرقانٍ نعرف به الحقّ والباطل ، ونميّز بين ضياء العقل ووساوس النفس . ولذلك‌أمرنا باتّباع العقل حتى في معرفة الدين وأحكامه ، بينما نهانا عن اتباع الرأي واستخدام القياس ، وحذّرنا من القول‌بغير علمٍ والافتراء على اللَّه . ما هو العقل ؟ ماذا يهديك إلى النور ، أليس النور ذاته ؟ كذلك عقلك يهديك إلى ذاته ، وهل يبصر أحدنا عينه بغير عينه ؟ فيجب‌إذاً - ان لا نبحث في الظلمات عن النور ، لأنّنا لن نجده هنالك ، بل سوف نزداد عنه ضلالًا . كذلك ضلَّ أكثر الناس عن العقول ، فلم ينتفعوا بهذه الموهبة الإلهية إلّا قليلًا . وترى بعضهم ينكر عقله أساساً ، ويحتجُّ على إنكاره ببعض الحجج ، ولا يدري أنّ احتجاجه ذاته دليله إلى عقله . وكيف يتسنىّ لمن لا عقل له أنْ يحتج‌ّعلى شيء بشيء ؟

--> ( 1 ) - الحياة ، ج 1 ، ص 66 . ( 2 ) - المصدر .