السيد محمد تقي المدرسي
388
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
تذكر احداً بما ليس هو عند الله عيب ، وتذم ما يحمده أهل العلم فيه . وأما الخوض في ذكر غائب بما هو عند الله مذموم وصاحبه فيه ملوم ، فليس بغيبة وان كره صاحبه إذا سمع به ، وكنت أنت معافىً عنه خالياً منه . تكون في ذلك مبيّناً للحق من الباطل ببيان الله ورسوله صلى الله عليه وآله ، ولكن على شرط ان لا يكون للقائل بذلك مراداً غير بيان الحق والباطل في دين الله . وأما إذا أراد به نقص المذكور به بغير ذلك المعنى ، مأخوذ بفساد مراده وإن كان صواباً ، فان اغتبت فابلغ المغتاب ، فلم يبق إلّا ان تستحل منه . وإن لم يبلغه ولم يلحقه علم ذلك ، فاستغفر الله له . والغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب . أوحى الله تعالى عز وجل إلى موسى بن عمران عليه السلام : المغتاب إن تاب فهو آخر من يدخل الجنة ، وإن لم يتب فهو أول من يدخل النار . قال الله عز وجل : أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه . ووجود الغيبة يقع بذكر عيب في الخلق والخلق ، والعقل والمعاملة والمذهب والجيل وأشباهه . وأصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع ؛ شفاء غيظ ، ومساعدة قوم ، وتهمة ، وتصديق خبر بلا كشفه ، وسوء ظن ، وحسد ، وسخرية ، وتعجب ، وتبرم ، وتزين ، فان أردت السلامة فاذكر الخالق لا المخلوق ، فيصير لك مكان الغيبة عبرة ، ومكان الإثم ثواباً . « 1 » وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ولعل هذه الخاتمة التي تفيض مغفرة ورحمة ، تدل إلى أن الغيبة بلاء يعم الكثير من الناس ، ولابد ألّا تصبح مقبولة ويذهب قبحها ، بل نتقي الله فيها . ومن جهة أخرى لا يجوز أن يستبد اليأس بنا إذا وقعنا فيها ، بل نتوب إلى الله ، ان الله تواب رحيم . يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ( الحجرات / 12 ) ماذا يفسد العلاقة بين المؤمنين ؟ انها نوعان ؛ الأول : ما يفسد العلاقة بصورة مواجهة ، وفي حضور الطرف الآخر . الثاني : ما يفسدها خفية وفي المغيب .
--> ( 1 ) بحار الأنوار / ج 72 / ص 257 .