السيد محمد تقي المدرسي
389
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وهذه الآية تعالج هذا النوع ، والذي يبدأ بسوء الظن الذي تثيره وساوس الشيطان ، ويتنامى عادة بين المؤمنين في غيبة بعضهم عن البعض . ثم تتحدث عن التجسس ، ثم عن الغيبة . فهذه حقائق الآية : أ - الظن هو التصور الذي ينقصه الدليل ، وإن كثيراً من هذا الظن باطل وبعضه يصبح اثماً . كيف ذلك ؟ إن قلب الانسان يتعرض لأمواج مختلفة من الهواجس والتصورات ، وإن بعضها فقط هي الحق وهي التي تنبعث من مصادر المعارف الخارجية ، بينما البقية هي قياسات باطلة وتمنيات ووساوس وإفرازات الهوى ونتائج الاحباطات و . . و . . وإذا راجعت نفسك يوماً وحاولت إحصاء وتقييم كل تصوراتك تقييماً سليماً ، فيومئذ تصل إلى هذه النتيجة ، ان أكثرها لا تعتمد على أدلة مقنعة . ولكن أنى للانسان ان يقيّم كل ما يتعرض له ذهنه كل يوم ، من أمواج التصورات المتلاحقة . فماذا علينا أن نفعل ؟ علينا ألّا نأبه بأي تصور يحيكه ذهننا ، بل نعتمد فقط على المصادر الموثوقة للمعرفة . لذلك فان علينا ان نجتنب كثيراً من الظن ، اما القليل الذي نسعى وراءه فهو الذي تفرزه الحواس ، ويصدقه العقل ، ويصمد أمام النقد الدقيق . أما الظن الآثم ، فهو الذي تفرزه حالات الحقد والغضب والصراع . . ولكن المشلكة ان هذه المجموعة الصغيرة متناثرة بين سائر الظن الكثير ، مما يجعلنا لا نطمأن اليه جميعاً . كما لو كان بعض الناس في بلد حاملًا لفيروس الايدز ، ولكننا لا نعرفهم بأعيانهم ، فعلينا ان نجتنب كل أهل هذا البلد حتى يتميّزوا عن بعضهم . من هنا نجد الإمام علي عليه السلام يكرر في وصاياه هذه الكلمة ، بعد أن سئل عن المسافة بين الحق والباطل ، فقال : أربع أصابع . ووضع أمير المؤمنين يده على أذنه وعينه ، فقال : ما رأته عيناك فهو الحق ، وما سمعته أذناك فأكثره باطل . « 1 » ولأن كثيراً من الظنون تطال المؤمنين بسبب أعمالهم التي قد يكون لهم عذر وجيه في القيام بها ، فقد أمرنا الدين بأن نحمل أفعال إخواننا على أفضل محمل . قال أمير المؤمنين
--> ( 1 ) بحار الأنوار / ج 75 / ص 196 .