السيد محمد تقي المدرسي
384
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
9 / وهذه الآية تنهى أيضاً عن التعيير ، الذي هو من التنابز بالألقاب حسب ما يدل على ذلك سبب نزولها . وقد وردت نصوص عديدة في النهي عن ذلك منذرة فاعل ذلك بالافتضاح . فقد روى الإمام الصادق عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : من أذاع فاحشة كان كمبتديها ، ومن عير مؤمنا بشيء لا يموت حتى يركبه . « 1 » وروي عن الإمام الباقر عليه السلام ، قال : إن أقرب ما يكون العبد إلى الكفر ، أن يؤاخي الرجل على الدين فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنفه بها يوماً ما . « 2 » وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : إن لله تبارك وتعالى على عبده المؤمن أربعين جنة ، فمن أذنب ذنباً كبيراً رفع عنه جنة ، فإذا عاب أخاه المؤمن بشيء يعلمه منه انكشفت تلك الجنن عنه ، ويبقى مهتك الستر فيفتضح في السماء على ألسنة الملائكة وفي الأرض على ألسنة الناس ، ولا يرتكب ذنباً إلّا ذكروه ، ويقول الملائكة الموكلون به : يا ربنا ؛ قد بقي عبدك مهتك الستر ، وقد أمرتنا بحفظه . فيقول عز وجل : ملائكتي ؛ لو أردت بهذا العبد خيرا ما فضحته ، فارفعوا أجنحتكم عنه ، فوعزتي لا يؤول بعدها إلى خير أبداً . « 3 » من هنا جاءت النصوص تترى في التحذير من الغيبة ، باعتبارها اكلًا للحم المغتاب بعد موته . روي أن ماعزاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فشهد على نفسه بالزنا فرجمه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فسمع نبي الله رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه ، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب . فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله ، فقال : أين فلان وفلان ؟ فقالا : نحن ذا يا رسول الله . قال : إنزلا فكلا من جيفة هذا الحمار . فقالا : يا نبي الله ؛ ومن يأكل من هذا ؟ قال : فما نلتما من عرض أخيكما أشد من الأكل منه ، والذي نفسي بيده انه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها . « 4 »
--> ( 1 ) بحار الأنوار / ج 75 / ص 215 . ( 2 ) المصدر . ( 3 ) المصدر / ص 216 . ( 4 ) القرطبي / ج 16 / ص 335 .