السيد محمد تقي المدرسي
279
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
الطغيان هو اكراه الناس على قبول سلطة غير سلطان الله ، حيث يقول ربنا سبحانه : قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَايَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّواْ فَقُولُوا اشْهَدُواْ بِانَّا مُسْلِمُونَ ( آل عمران / 64 ) « 1 » إذا عرفنا كل ذلك نهتدي إلى أن مواجهة السلطات الظالمة التي
--> ( 1 ) الطغيان هو تجاوز الحد ، مثلًا طغيان الماء يتمثل في تجاوز مجاريه . قال سبحانه : إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ( الحاقة / 11 ) . والانسان يطغى إذا رآه استغنى . قال تعالى : كَلآَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَءَاهُ اسْتَغْنَى ( العلق / 6 - 7 ) . والطاغية أهلكت ثمود . قال جل وعلا : فَامَّا ثَمُودُ فَاهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( الحاقة / 5 ) . وفرعون طغى . قال عز وجل : اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( طه / 24 ) . والطغيان في الميزان تجاوز حده . قال سبحانه : وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ( الرحمن / 7 - 8 ) . وهكذا نفقه ان الطاغوت هو الانسان الطاغي ( الذي يتجاوز حده ، ويحاول فرض هيمنته على الناس ) . والطاغوت هو ولي الكفار ( قائدهم ) . قال سبحانه : اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ اولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( البقرة / 257 ) . وهكذا ترى الكفار يقاتلون في سبيله . قال عز وجل : الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ( النساء / 76 ) . ومن اليهود من أصبح عبد الطاغوت . قال تعالى : قُلْ هَلْ انَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ اولئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ( المائدة / 60 ) . وهكذا الكفر بالطاغوت يمهد الطريق للايمان بالله سبحانه ، حيث قال ربنا جل وعلا : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَاانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( البقرة / 256 ) . كما أن البشرى لمن اجتنب الطاغوت وأناب إلى الله . قال الله تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ( الزمر / 17 ) . وقد أمر الله باجتناب الطاغوت ، كما أمر بعبادة الله . قال الله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ امَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الارْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( النحل / 36 ) . والتحاكم إلى الطاغوت حرام ، حيث قال الله سبحانه : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ انْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ انْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ امِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيداً ( النساء / 60 ) . وهكذا نستوحي من آيات الذكر ان كل حاكم يطغى في الأرض ، ويتجاوز حدود الله ، ولا يحكم باسم الله وبأمره ، فهو طاغوت .