السيد محمد تقي المدرسي
266
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
سُورَةٌ فَإِذَآ انزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فأَوْلَى لَهُمْ ( محمد / 20 ) يبدو من آية قرآنية أن الذين في قلوبهم مرض طائفة أخرى غير المنافقين ، حيث يقول الله عز وجل : لَئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا ( الأحزاب / 60 ) أما كلمة فأَوْلَى لَهُمْ فهي كلمة تستخدم في اللعن ، واختلفوا في معناها الدقيق ، هل هو بمعنى : يليه مكروه ، أو لهم الويل ، أو الموت أولى لهم ؟ ويبدو ان هذه الكلمة تأتي بعد بيان سيئة من سيئاتهم فعلًا أو قولًا فيكون معناها ؛ إنهم يستحقون تلك السيئة وهم أحق بها ، وأولى من غيرهم . وفي المقام يكون المعنى ؛ ان هذه العاقبة السيئة التي انتهوا إليها من رفضهم لسورة القتال ، يستحقونها لما كان في قلوبهم من مرض . ذلك لأن النفاق والخوف الذي يحول بين الانسان وقتال الأعداء ، جرم كبير وضلالة بعيدة ، لأنه يجر صاحبه إلى الاستسلام للطاغوت ، وفقدان استقلاله أمام الغزاة ، والتنازل عن قيمه وشخصيته خشية بطش الجبارين . وكل من ارتد عن الدين أو اتبع الظالمين ، انساق إلى مصيره الأسود ، بسبب تلك الأمراض الخطيرة التي تمكنت من قلبه . 4 / يريد البعض ان يكون الجهاد سفرة قريبة أو غنيمة حاضرة ، ولو كان كذلك لكان أول المبارزين ، ولكن الجهاد عمل شاق . قال الله سبحانه : لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( التوبة / 42 ) القاصد هو السبيل الذي يقصد لقربه وسهولته ، بينما الشقة هي المسافة البعيدة أو الوعرة التي من الصعب تجاوزها والسير فيها . يتعلل المنافقون على ذلك بأنهم لا يقدرون القيام بالاسفار البعيدة ، ولذلك فإنهم يحلفون بالله انهم كانوا يخرجون مع المسلمين لو استطاعوا . وهكذا كل كسول يزعم أنه لا يقدر على القيام بأي شيء ، وبهذا يهلك هؤلاء أنفسهم بسبب كسلهم وتقاعسهم عن الجهاد . إذ ان الكسل عن العمل يفقد صاحبه قدراته