السيد محمد تقي المدرسي
222
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
تكونها ، وجاهدوا مع المسلمين فيها ، فهم والسابقون إليها سواء في حقوقهم . وللسابقين فضل المبادرة . وهذا الانتماء الديني يشكل هوية المسلم السياسية ، التي تتقدم على انتماءاته العرقية والقومية والإقليمية جميعاً . يقول ربنا سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِامْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا اوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِم مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( الأنفال / 72 ) وعند التدبر في كلمة اوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ نفقه عمق العلاقة التي تتكون في دار الاسلام بين أهل الدار والمهاجرين ، شريطة الايواء والنصرة من قبل أهل الدار ، كما الهجرة من قبل سائر المسلمين . أما إذا لم يهاجر المسلم فلا ولاية له ، ولا حقوق سياسية أو اقتصادية . بلى ؛ باعتباره مسلماً ينبغي ان يُنصر إذا استنصر اخوانه في الدين لكي يدرؤا عنه الأخطار المتوجهة إليه بسبب انتمائه الديني . ولكن مصالح الأمة الاسلامية المتواجدة في دار الاسلام هي الأهم . فلو أبرم المسلمون ميثاقاً مع دولة أخرى وفقاً لمصالح الأمة ، ثم تعرض المسلمون في تلك الدولة إلى مضايقات ، واستنصروا المسلمين ، فلا ينبغي نقض الميثاق والتورط في حرب مع تلك الدولة ، مما يعرض كيان الأمة إلى خطر . ونتلو في آية كريمة قوله سبحانه : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوْا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّآ أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( الحشر / 9 ) ونستوحي من هذه الآية ؛ وجوب الاندماج الروحي بين أهل الدار وبين المهاجرين ، لتكوين نواة الأمة الاسلامية الواحدة التي تتجاوز الفوارق العرقية والقومية وما أشبه . بلى ؛ في إطار الأمة الواحدة تبقى للرحم ولايته ، حيث إن اولي الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله .