السيد محمد تقي المدرسي
190
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
إليها الله سبحانه ، وهي الطريقة التي جاءت في الكتاب . وهذه الكلمة كَمَآ امِرْتَ في آية هود ، تفسر كلمة " الطريقة " في سورة الجن . وضد طريقة الهدى سبيل الذين لا يعلمون ، الذي نهى ربنا عن اتباعه في سورة يونس . فالطريقة هي طريقة الهدى ، كما قال المفسر المعروف " الطبري " ، إذ قال : لو استقاموا على طريقة الهدى ، بدلالة قوله : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم « 1 » وبدلالة الآية السابقة في سورة هود ، والتي أشارت إلى التوراة ، يكون الأمر هنا هو ما في القرآن ، والاستقامة عليه العمل بمحكمه والاختلاف اليه ؛ لا الاختلاف فيه ، ولا العمل بمتشابهه . وبالتالي جعله ميزاناً لحل الخلافات ، ومرجعاً لفض النزاع . وهذا هو الذي تركه اليهود فابتلوا بالخلاف ، وتركه المسلمون فكانت عاقبتهم السوئى . وهكذا كانت الاستقامة هنا في مواجهة التيارات المختلفة ، التي تنشأ في الأمم بعد نشوءها وانتشارها واختلاف الآراء والمصالح بين أبناءها ، وعادة بعد غياب مؤسسيها الأوائل . ففي أيام موسى بن عمران عليه السلام اختلف اليهود ؛ فمنهم من قال : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، ومنهم من عبد العجل وقال هذا الهكم واله موسى ، ومنهم من قال : أرنا الله جهرة . . إن مواجهة التيارات المختلفة ليست هينة ، بل هي أصعب من مواجهة الأعداء من الخارج . ولكنها ضرورية ، وإلّا لانحرفت الأمة عن مسارها ، وانتفت حكمة الرسالات الإلهية . ولعل الأحاديث التي وردت في النبي عن البدع وأمر العلماء بفضح المبتدعين ، كانت من أجل مواجهة الحكام الذين يشترون بالدين ، ويتخذون منه وسيلة لتسلطهم ، ويؤلون نصوص الدين حسب أهواءهم ، ثم يضيفون إلى الدين عبر عملاءهم من أشباه العلماء ما يثبت سلطانهم ، ويقوي أركان نظامهم . والولاية وخطها الصحيح أمان من البدع . يقول الإمام علي عليه السلام : " وقد قلتم رَبُّنَا اللَّهُ فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ،
--> ( 1 ) مجمع البيان / ج 10 / ص 371 .