السيد محمد تقي المدرسي
189
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وفيما يلي نستوحي من الآيات التي تليت ، طائفة من البصائر : الف : لقد كانت في قصص الأنبياء عليهم السلام ؛ في جهادهم العظيم ، عبر لمن أراد الاعتبار . وفي سورة هود بيان لهذه القصص ؛ فابتداء من قصة شيخ المرسلين نوح عليه السلام ، الذي دعا قومه إلى التوحيد فابلغ في الدعوة ، حتى قال له قومه : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا . فلم ينتفعوا بنصحه حتى أغرقوا ( هود / 49 ) . وانتهاءً بقصة فرعون وملأه ، إذ ارسل الله إليهم النبي موسى عليه السلام بالآيات وسلطان مبين ، فاتبعوا امر فرعون فأوردهم النار ( هود / 96 - 99 ) . ومروراً بقصص النبي هود عليه السلام إذ ارسل إلى عاد ( هود / 50 - 60 ) ، والنبي صالح عليه السلام الذي ارسل إلى ثمود ( هود / 61 - 68 ) ، والنبي لوط عليه السلام إذ أرسله الله إلى قومه فتمادوا في الفاحشة حتى دمر الله قراهم ( هود / 74 - 83 ) ، وقصة النبي شعيب عليه السلام ، حيث ارسله الله إلى مدين فلم يوفوا بالمكيال والميزان فأخذتهم الصيحة ( هود / 84 - 95 ) . وقد اختلفت مظاهر تكذيب الأمم للرسل ، ولكن المحتوى كان واحداً ، حيث قال ربنا سبحانه : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( هود / 100 - 101 ) . لقد ظلموا أنفسهم ، وعبدوا غير ربهم ، ولم يستجيبوا للنذر ، فاخذهم الله أخذاً أليماً شديداً . وبعد بيان تلك القصص ، قال ربنا سبحانه : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( هود / 110 ) ، ثم قال سبحانه : فَاسْتَقِمْ كَمَآ امِرْتَ ( هود / 112 ) . فالاستقامة إذاً هي حكمة بالغة ، تستوحى من قصص الرسل . ولعل الفاء هنا ذات دلالة على ذلك إذ الفاء للتفريع ، واخذ النتيجة . فمادام الجهاد الطويل ينتهي إلى العاقبة الحسنى ، فلابد من الاستقامة إلى بلوغ تلك العاقبة . باء : والاستقامة لابد أن تكون وفق أمر الله ، وعلى هدى الله ، وطريقة الحق التي دعا