السيد محمد تقي المدرسي
124
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ويمكن ان تدخل كل الجرائم التي يعاقب عليها القانون ( الغصب ، الاعتداء ، السرقة والغش ) ضمن اطار الإرادة ، حيث إن الفاعل قد ارتكب بإرادته ما تحمل المسؤولية بها ، كذلك الذي يلحق ضرراً بآخر . ولكن هناك بعض المسؤوليات التي تفرض التعويض على الشخص ، لا تدخل في اطار الإرادة ؛ مثل مسؤولية الولي عن اتلاف المولى عليه ، فالطفل والمجنون والحيوان الذي يلحق خسارة بأحد ، يرجع الخاسر إلى الولي عنهم « 1 » . وهكذا قبطان السفينة أو صاحب النزل ( الفندق ) أو صاحب الاسطبل مسؤولون جميعاً عن فعل يرتكبه غيرهم . فأين موضع الإرادة في هذا المجال ؟ ولكنهم قالوا إن الخطأ الذي ارتكبه أمثال هؤلاء ، يتمثل في تقصيرهم في واجبهم ؛ من حفظ المولى عليهم ، أو رعاية شؤون ولايتهم على السفينة ، أو الاسطبل ، وما أشبه . وهكذا سميت هذه المسؤولية بالمسؤولية شبه الجرمية . ولكن بقيت المشكلة عندهم ، وهي فقدان الإرادة ( نية الخطأ ) التي جعلوها محور المسؤولية . " مع العلم بأنه لم يكن من الضروري في هذه المسؤولية اثبات الخطأ ، كما أن انتفاء الخطأ لم يكن ينفي المسؤولية " . « 2 » ولقد قبل رجال القانون المدني ، في كل مكان هذه النظرية البسيطة للمسؤولية التقصيرية ، حتى أواخر القرن التاسع عشر . وهي ما زالت إلى اليوم ، تعتبر النظرية الأصلية . وقد قبل القانون الفرنسي بوجود مسؤولية بدون خطأ ؛ مثل مسؤولية أرباب العمل ، حيث لا يقبل منهم أي عذر فمسؤوليتهم مطلقة . وكذلك البناء إذا سقط بسبب عيب فيه وسبّب ضرراً ، فالمالك مسؤول مسؤولية وضعية مطلقة ، ولا قيمة لادعائه بأنه لم يكن يعلم بوجود عيب أو ما أشبه . « 3 »
--> ( 1 ) في الاسلام يرجع أولياء المقتول في بعض أنواع الدية إلى أقارب القاتل ، ويسميهم الفقه الاسلامي ب - ( العاقلة ) أي الذين يفترض ان يحفظوا الشخص عن ارتكاب الجريمة . ( 2 ) المدخل إلى فلسفة القانون / ص 96 - 97 . ( 3 ) المصدر / ص 98 .