السيد محمد تقي المدرسي
347
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت ، فيفسد عليه دنياه واخرته . يا هشام : من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى ابدا . يا هشام ان الله حكى عن قوم صالحين : انهم قالوا : ( ( ربنا لا تزغ قلوبنا ( الزيغ : هو الميل والعدول عن الحق ، والردي : الهلاك والضلال " آت " ) ، بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ) ) حين علموا ان القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها . انه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك الا من كان قوله لفعله مصدقا ، وسره لعلانيته موافقاً ، لان الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل الا بظاهر منه وناطق عنه يا هشام كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : ما عبد الله بشيء أفضل من العقل ، وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى : الكفر والشر منه مأمونان ، والرشد والخير منه مأمولان ، وفضل ماله مبذول ، وفضل قوله مكفوف ، ونصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذل أحب اليه مع الله من العز مع غيره ، والتواضع أحب اليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقل كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيرا منه ، وانه شرهم في نفسه ، وهو تمام الامر ( اي : كل أمر من أمور الدين يتم به أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة " آت " ) يا هشام ان العاقل لا يكذب وان كان فيه هواه . يا هشام لا دين لمن لا مروة له ( وذلك لان من لا عقل له لا يكون عارفاً بما يليق به ويحسن ، ومالا يليق به ولا يحسن ، فقد يترك اللائق ويجيء بما لا يليق ومن يكون كذلك لا يكون ذا دين . ( رف ) والمروة الانسانية وكمال الرجولية وهي الصفة الجامعة لمكارم الاخلاق ، ومحاسن الآداب " آت " ) ، ولا مروة لمن لا عقل له ، وان أعظم الناس قدرا الذي لا يرى