السيد محمد تقي المدرسي
63
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
التركيب « 1 » . وإذا حلّلنا كلمات « دوركايم » هذه ، وجدنا انه يرى ضرورة البحث عن أسباب طبيعية للقيم ما دامت آثار القيم تظهر في الطبيعة ، وهذا غريب جداً ، فان ظهور الآثار في شيء لا يدل على أن ذلك من نسخة : فمثلًا آثار الشمس تظهر في الأرض فعلينا دراسة الشمس في الأرض ؟ أيّ منطق هذا . إذا كان الانسان في المشرق وتظهر آثاره في المغرب فهل يدرس في المغرب ؟ المؤمن يعمل للآخرة ، وآثار عمله تظهر في الدنيا فهل قيمته ( السعي للآخرة ) تدرس في عمله الدنيوي . . بلى في بحث آخر سوف - نبيّن إنشاء الله - حدود التجربة في دراسة القيم وإنّها لا تعدو دراسة آثارها الظاهرة وليس أكثر . كما نبين - بإذن الله - في موضع آخر ان هناك قيماً مصدرها الحاجات المادية ( المنفعة مثلًا ) يمكن دراستها في حدود تلك الحاجات ولكن لا يعني ذلك ان كل القيم كذلك . بل قد يكون العكس هو الصحيح وهو ان ندرس حوادث التاريخ في ظل القيم ( والبحث عن المثل الاعلى ) والتي لو الغيناها لا تتكامل الصورة بل لا تعرف الحادثة أبداً ، مثلًا عصر الانبعاث كان عصر القيم والبحث عن المُثل العليا قبل ان يكون عصر التقدم التقني ( اكتشاف المطبعة مثلًا ) يقول ( البرت سوريل ) ان التحوّلات تجري في ظل النظام القديم ( وبحثاً عن عصر جديد ) باتجاه مثل أعلى ، ( الذي يقود الناس إلى تلك التحولات ) وعلى الرغم من أن هذا المثل الاعلى لم يجد ما يعرب عنه الا في وقت لاحق وكذلك يستطيع المؤرخ العثور على أسباب انتشار المطبعة وسائر المكتشفات الخ ، ولكن ذلك كله يفيد الازدهار الفكري ، وان التيار ذاته يوصف بأنه تيار قيمي أي ان السببية التي يعرب عنها ليست بسببية ألا لأنها تحمل القيمة « 2 » . ويقول بول سزاري : الحق ان بساطة بعض التقنيات في شكلها الأول ( كالمطبعة بصورتها البدائية مثلًا ) يطرح سؤالًا لماذا ظهرت في هذه اللحظة بدل ظهورها في لحظة
--> ( 1 ) - المصدر . ( 2 ) - المصدر ص 25 . .