السيد محمد تقي المدرسي
106
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
والإله « 1 » . . . اللّذان يوجدان منفردين . ولكن المجتمع - تلك الظاهرة الطبيعية - ذو غاية واضحة ودقيقة : وهي تنمية الفضيلة لدى أعضائه ، ولذلك فان جميع الدساتير التي تميل إلى تدعيم « العقل بدون الهوى » لدى الفرد صالحة « 2 » . وهكذا يظهر دور العقل في الحقل الاجتماعي ، انه مقياس الفاضل ولكن السؤال : كيف نحقق مجتمع العقل عملياً وهو مجتمع « الديمقراطية المعتدلة » الذي يفضّله أرسطو حيث تعتدل الثروات في انسجام صحيح ، وكذلك الامر بالنسبة للكفاءات ، كما هو بالنسبة للرغبات الخاصة . وهذه نتيجة منطقية لهذا التأمل الأخلاقي الذي يشكل ( بحسب تشبيه استخدمه أرسطو ذاته بشأن العدالة ) قاعدة ، ولكنها « قاعدة رصاصية » قابلة للتشكلّ بحسب كل قالب من قوالب الجزئيات الانسانية ( فتتغيّر حسب الظروف المختلفة ) ، كما انها رمز لما يجب أن تكون عليه الحياة الأصيلة : أي التناسب المعقول بين النظام الكلي وبين المحل الذي يشغلهُ فيه الانسان تبعاً لطبيعته النوعية « 3 » . 3 - اما كيف يصل أرسطو إلى هذه النتائج ؟ فهو ينطلق من عقيدته بوجود نظام أعلى يجذب اليه الانسان بالحب وكأنّ الحب هو الدافع نحو تطبيق العدل والعقل . « فليست الحقيقة خارج عالمنا ، ولكن تحت أبصارنا ، في الكائنات وفي الأشياء الأرضية . . غير أن ذلك لا يعني ان هذه الأشياء والكائنات خالية من النظام ومن المعنى فالكون يبدو لأرسطو كطبقات ( مستويات ) من الواقع ينتظمها تسلسل عظيم الاتساع تبطنه وتوجهه « تمتصه » حركة جامعة نحو الكمال . وكل فرد مزدوج التكوين ، فهو مركب من « مادة » ( هي قدرة على التغيير غير محدودة ومبهمة ) ومن « صورة » ( وهي ميل إلى التنظيم والتحقيق البنياني للميزات الطاقيّة للمادة ) . ويستند كل مستوى من مستويات الواقع هذه إلى السابق ، مشكلًا ، في الوقت نفسه ، قاعدة للمستويات التالية ، وهكذا يرسم الكون سلماً مستمراً يرتفع من حدّ إلى حدّ نحو المستويات العليا . واخيراً فان هناك صورة الصور ( الإله ، أو المحرك الأول ، أو الخير ، أو الخ . . ) التي تكون ذروة
--> ( 1 ) - نظراً لاعتقاد الفلاسفة اليونان بتعدّد الإله فان مرادهم من الإله ليس رب الأرباب بل الموجود الاعلى القريب من معنى الملك عندنا . . ( 2 ) - الصدر ص 42 . ( 3 ) - المصدر . .