السيد محمد تقي المدرسي
104
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
بالفلسفة حتى جعلت حاجزاً دون تقدم العلم والتقنية . وقد ذكرنا - في الجزء الثاني من هذا الكتاب - إن غرور الفلاسفة وتكلّفهم معرفة الحقائق التي ليست في وسع البشر جرّهم إلى أخطاء كبيرة لازالت البشرية تعاني من آثارها . أما نظرية أفلاطون حول ان الاخلاق مجرّد علم . ( وليس أكثر من ذلك ) فقد تحدثنا - في مناسبة أخرى - ان العلم يهذّب النفس ولكن لا يشحذ الإرادة التي هي جوهر الاخلاق ، هذا ان وسعنا حدود العلم في نظرية أفلاطون ليشمل علم القيم ، ومعرفة الأهداف التي خلق الانسان لها ، وهذا هو مراد أفلاطون من العلم . اما العلم بالمعنى الجديد ( أي التجربة وما يخصع لها ) فإنه لا ينفع الاخلاق شيئاً كثيراً ، كما تحدثنا عن ذلك آنفاً عند الحديث عن نظريات المدرسة الطبيعية في الاخلاق . ونظرية الخير عند أفلاطون ناقصة ، فالخير ليس مجرد انسجام بين نوازع الذات المختلفة ، أو بين الفرد والمجتمع ( وإن كان ذلك من الخير ) ولكنه يشمل أيضاً : الانسجام بين الانسان والطبيعة . وبين الانسان وخالق الطبيعة . على أن المطلوب ليس مجرد انسجام . بل انسجاماً قائماً على معايير عليا ، تجمعها عبادة الله والتقرب اليه سبحانه . يبقى منهج الحوار الذي أعتقد انه يحملنا إلى رحاب الحقيقة ، فإنه منهج نافع لأنه يستثير العقل ، ويبلور الضمير ، ولكنه ليس منهجاً كافياً لمعرفة الحقائق ، حسبما فصلنا القول في المنطق . لأن هذا منهج واحد هناك مناهج أخرى يجب الاستفادة منها للوصول إلى المعرفة .