السيد محمد تقي المدرسي
12
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
* الحدود الغامضة بين الاصالة والتقليد : بلى العملية هذه ليست بسيطة ، إذ التطوير أيا كان يرتبط ارتباطا وثيقا بالحدود الغامضة والدقيقة التي تفصل بين الاصالة والتقليد ، بين ما يجب ان يبقى وما يجب ان يطور . وبالتالي ، بين القضايا المتعلقة بالقيم الثابتة التي لا يجوز التنازل عنها تحت اي ضغط ، وبين التقاليد التي لصقت بها غفلة من الوعي أو القضايا التي كانت صالحة في يوم ، ثم أصبحت من مخلفات العصور الأولى . وليس من حق كل من هب ودب ، ان يعين هذه الحدود الدقيقة ، لان تعيينها بحاجة إلى معرفة شاملة بالعصر ومتغيراته من جهة ، وبالدين - القيم الثابتة منه ، والمواضيع المتغيرة - من جهة أخرى . ثم لحساسية هذه القضايا يختلف فيها الناس اختلافا كبيرا ، فالامر الذي هو - في رأي أحد المفكرين - من صميم الدين فإذا تغير أطبقت السماوات على الأرض ، انه بالذات ، تقليد أعمى - في رأي جماعة أخرى - ويخالف الدين ، والدين بريء منه . مثلا محل المراة ، قل هو البيت فقط ، أم رحاب الحياة كلها ؟ . . فريق من الناس لا يكفون عن الصراخ بان الله ، والرسول ، والمسلمين ، يقولون إن المراة يجب الا تخرج من حدود البيت . . بينما فريق آخر ، يقولون بكل ثقة وقناعة : ان الاسلام يفرض على المراة الاحتشام ثم يوجب عليها ان تساهم في بناء الحياة ابتداء من البيت وانتهاء بالإصلاح السياسي . هؤلاء وأولئك ، يقدمون معا شواهد وأدلة عديدة ، وجذر المشكلة ان الدين اختلط عندنا بالتقاليد ، والقرآن ( حمال ذو وجوه ) يفسر تفسيرات شتى ، وفي هذا الجو ، قد يتطرف الذين يريدون التطوير فيتجاوزون حدود الاصالة ويتمردون على الماضي بخيره وشره ، بقيمه الصالحة وتقاليده البالية ويكفرون - بالتالي - حتى بالشخصية المتميزة للأمة . ولكن بالرغم من ذلك لابد ان نقتحم هذا الميدان الخطر ونتجاوز العقبات ونعطي للامر الأولوية ، عوضا عن القضايا الجانبية . ونصرف من اجله الطاقات الهائلة ( المادية والمعنوية ) التي تصرف في إعادة صياغة الافكار الماضية بقوالب جديدة ،