السيد محمد تقي المدرسي
225
الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)
علم أنه لا غرض للمستأجر في خصوصيته ، وإنما ذكره على المتعارف ، فهو راض بأي طريق كان ، فحينئذ لو عدل صح واستحق تمام الأجرة ، وكذا إذا أسقط بعد العقد حق تعيينه فالقول بجواز العدول مطلقاً أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصية ضعيف ، كالاستدلال له بصحيحة حريز عن رجل أعطى رجلًا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة ، فقال : ( لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه ) إذ هي محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب « 1 » ، مع أنها إنما دلت على صحة الحج من حيث هو ، لا من حيث كونه عملًا مستأجراً عليه كما هو المدعى ، وربما تحمل على محامل أخر ، وكيف كان لا إشكال في صحة حجه وبراءة ذمة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيداً بخصوصية الطريق المعين « 2 » ، إنما الكلام في استحقاقه الأجرة المسماة على تقدير العدول وعدمه ، والأقوى أنه يستحق من المسمى بالنسبة ، ويسقط منه بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على وجه الجزئية ، ولا يستحق شيئاً على تقدير اعتباره على وجه القيدية ، لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وإن برئت ذمة المنوب عنه بما أتى به ، لأنه حينئذ متبرع بعمله ، ودعوى أنه يعد في العرف أنه أتى ببعض ما استؤجر عليه فيستحق بالنسبة ، وقصد التقييد بالخصوصية لا يخرجه عرفاً عن العمل ذي الإجزاء ، كما ذهب إليه في الجواهر لا وجه لها « 3 » ، ويستحق تمام الأجرة إن كان اعتباره على وجه الشرطية الفقهية بمعنى الالتزام في الالتزام ، نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلف الشرط فيرجع إلى أجرة المثل . ( مسألة 14 ) : إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة ، ثم آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً بطلت الإجارة الثانية ، لعدم القدرة على العمل « 4 » بها بعد وجوب العمل بالأولى ، ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحتا معاً ، ودعوى بطلان الثانية وإن لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الأولى لأنه يعتبر في
--> ( 1 ) سبق وأن قلنا إن المطلوب شرعا الإحجاج ، وهذا المطلب هو الذي يقع عليه العقد ، وبناء عليه لافرق بين طريق وطريق فهو إذا الظاهر من المورد الذي سئل عنه ، وهو ظاهر معاملات الناس حتى ولو خالفوا ظاهرا فإن مناسبة الحكم تقضي بأنهم في اشتباه مصداقي . ( 2 ) لا يعلم ، هل يجوز للمستأجر أن يجعل هذه الخصوصية وهو يقوم بأداء واجب شرعي وهو الإحجاج وأي حق له في ذلك ما دام الأمر ليس شرعيا . ( 3 ) وجهه أن القيد عرفا جزء من الموضوع وليس كله ويبدو أن صاحب الجواهر قدّس سرّه كان يقصد هذا النوع من الإجارة الذي هو النوع الشائع . ( 4 ) لعدم حق التصرف في حجه بعد أن باعه للمستأجر الأول ، ولو قيل بصحة الثانية فضولة ، بمعنى أنه لو رضي العاقد الأول بفسخ الإجارة أو تأخير سنتها صحت لكان قولا معقولا .