السيد محمد تقي المدرسي

168

الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)

من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم ، ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه ، وليزوروا البيت على طهارة منهم ، ثم يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرق وكنه العبودية ، فجعلهم تارةً يطوفون فيه ، ويتعلقون بأستاره ، ويلوذون بأركانه ، وأخرى يسعون بين يديه مشياً وعدواً ليتبين لهم عزّ الربوبية ، وذلّ العبودية ، وليعرفوا أنفسهم ، ويضع الكبر من رؤوسهم ، ويجعل نير الخضوع في أعناقهم ، ويستشعروا شعار المذلة ، وينزعوا ملابس الفخر والعزة ، وهذا من أعظم فوائد الحج ، مضافاً إلى ما فيه من التذكر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر ، وأهوال يوم القيامة ، إذ الحج هو الحشر الأصغر ، وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف ووقوفهم بها والهين متضرعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة والشقاء أشبه شيء بخروج الناس من أجداثهم ، وتوشحهم بأكفانهم ، واستغاثتهم من ذنوبهم ، وحشرهم إلى صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم ، بل حركات الحاج فيطوافهم وسعيهم ورجوعهم وعودهم يشبه أطوار الخائف الوجل والمضطرب المدهوش الطالب ملجأ ومفزعاً نحو أهل المحشر في أحوالهم وأطوارهم ، فبحلول هذه المشاعر والجبال والشعب والتلال ولدى وقوفه بمواقفه العظام يهون ما بأمامه من أهوال يوم القيامة من عظائم يوم المحشر ، وشدائد النشر ، عصمنا الله وجميع المؤمنين ورزقنا فوزه يوم الدين ، آمين رب العالمين . ( وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ) . فصل في وجوب الحج من أركان الدين الحج ، وهو واجب على كل من استجمع الشرائط الآتية من الرجال والنساء والخناثى بالكتاب والسنة والإجماع من جميع المسلمين . بل بالضرورة ، ومنكره في سلك الكافرين « 1 » وتاركه عمداً مستخفاً به بمنزلتهم ، وتركه من غير استخفاف من الكبائر ، ولا يجب في أصل الشرع إلا مرة واحدة في تمام العمر وهو المسمى بحجة الإسلام ، أي الحج الذي بني عليه الإسلام ، مثل الصلاة والصوم والخمس والزكاة وما نقل عن الصدوق في العلل من وجوبه على أهل الجدة كل عام على فرض ثبوته شاذ مخالف للإجماع والأخبار ، ولا بد من حمله على بعض المحامل ، كالأخبار الواردة بهذا المضمون من إرادة الاستحباب المؤكد ، أو الوجوب على البدل بمعنى أنه يجب عليه في عامه ، وإذا تركه ففي

--> ( 1 ) حسب تفصيل مرّ في كتاب الطهارة .