السيد محمد تقي المدرسي
99
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
ثانيا : المُدَّعون للصلة الطبيعية يرون أنّها أعراض للحروف المنطوقة ، فهي مثل لون البرتقال ورائحة التفاح ، فعندهم تُعتبر كل نبرة حرف مؤثِّرة في الأعصاب تأثيراً معيّناً ، فالتأثير من أعراضه ، ومن خلال اجتماع حروف معيّنة تتحقق مناسبة بين الكلمة والمعنى . والله العالم . وبهذه الملاحظة نناقش أيضا ما بَيَّنه المحقق الأصفهاني « 1 » من أنّ استعمال اللفظ متأخر عن الوضع وثبوت الصلة والارتباط بينه وبين المعنى ، فكيف يكون الاستعمال - استعمال الكلمة في المعنى - سببا للمعنى . وجه المناقشة ما يلي : المدَّعي للصلة الطبيعية يرى أنَّ هذه الصلة لا علاقة لها بالاستعمال ، فهي مثل صلة النار والحرارة ، لا علاقة لها باستعمال لفظ النار في معناها وانما هي سابقة عليه . ألا ترى أنّ هناك صلة بين ألفاظ الأصوات وبين معانيها ، مثل : التأوّه ، النحنحة ، الهدهدة . كما أنّه يُقال : أزيز الرصاص ، حفيف النخل ، زغردة النساء - وهي كلمات ذات صلة طبيعية بين اللفظ والمعنى قبل الاستعمال . ثم إنّ المحقق المزبور ناقش أيضا في صلة اللفظ بالمعنى بوضوح وجود ألفاظ موضوعة لمعان من دون أيّة صلة بينهما . والجواب عن هذه المناقشة أنَّ المدعي للصلة لا يحصر العلاقة بين اللفظ والمعنى بها ، بل قد تتحقق الصلة بذات الوضع مثل المصطلحات الطبيعية ، كما لا يدَّعي عدم إمكان تغيير وضع الكلمة من معنى لآخر لأي سبب كان . ثانياً : الملازمة الوضعية بين اللفظ والمعنى وبعد أن نفى هذا الفريق من الأصوليين وجود أيّة صلة بين اللفظ والواقع الخارجي الذي يدل عليه « 2 » تبعاً لرأي المعتزلة في التاريخ « 3 » ، بحثوا عن حقيقة العلاقة بين اللفظ والمعنى . حيث ذهب كل فريق منهم إلى رأي مختلف ، وفيما يلي نفصِّل تلك الآراء بإذن الله تعالى .
--> ( 1 ) - انظر : المصدر ، ص 46 ، عن : حاشية المحقق الأصفهاني نهاية الدراية ، ج 1 ، ص 12 الطبعة الأولى . ( 2 ) - يبدو ان الألسنية الحديثة تسمي الواقع الخارجي : ( المرجع ) بينما تسمي المعنى الذهني الذي يتداعى باستخدام اللفظ : ( المدلول ) . ( 3 ) - مبادئ اللسانيات ، ص 286 عن السيوطي في المزهر ، 1 / 8 - 30 .