السيد محمد تقي المدرسي
72
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
جاء في حديث شريف مأثور عن عمر بن حنظلة فيما سأل الإمام الصادق عليه السلام في اختلاف الحديث ، جاء فيه : قلتُ فإنهَّما ( أيّ : اللذَيْن اختلفا في الحديث ) عَدْلان مرضيّان عند أصحابنا ، لايُفَضَّل واحد منهما على الآخر ، فقال : « يُنظَر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المُجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حُكمِنا ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنَّ المُجمع عليه لا ريب فيه . وإنما الأمور ثلاثة : أمر بَيِّن رشده فَيُتَّبع ، وأمر بَيِّن غَيُّه فَيُجْتَنب ، وأمر مُشكلٌ يُرَدُّ علمه إلى الله وإلى رسوله » . « 1 » وهكذا نستفيد من الحديث أنَّ هناك حقائق واضحة لا ريب فيها ، فهي من النوع الذي بَيِّنٌ رشده ، وهي في ذات الوقت مُجْمَعٌ عليه عند الطائفة ومشهور بين أصحاب البصائر منهم ، وهي المحُكمات من الحديث التي هي المرجع للمتشابهات . وهكذا جاء في الإحتجاج عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال : « إنَّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ، ومحُكماً كمُحكم القرآن ، فردّوا متشابهها إلى محُكمها » . « 2 » ويبدو إنَّ الأحاديث المحكمة هي التي تبيِّن أصول الشريعة ، وجوامع العلم ، والقواعد العامة التي يرجع إليها الفقهاء في معرفة الأحكام ، أما المتشابهة فهي الأحاديث التي تبيِّن مصاديق تلك الأصول ، وفروعها مما تختلف باختلاف الظروف والمتغيّرات ، وإليك مثالًا للجوامع ( المُحكمات ) ، ومن ثَمَّ مثالًا للفروع ( المتشابهات ) : قال الإمام الصادق عليه السلام : « سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله في الحيض ثلاث سُنَنَ بَيَّنَ فيها كلّ مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لا يدع لأحد مقالًا فيه بالرأي » ثم مضى الإمام عليه السلام في بيان تلك السنن التي هي - حسب الظاهر - بعض مرادهم من الأصول التي قالوا عنها : « إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تُفَرِّعُوا . » « 3 » وكذلك من تلك المحكمات مابَيَّن الإمام عليه السلام بعد ذكرها بأنّها من الأبواب التي
--> ( 1 ) - الكافي ، ج 1 ، باب اختلاف الحديث ، ح 10 ، ص 88 . ( 2 ) - الإحتجاج ، ج 2 ، ص 410 . ( 3 ) - وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 6 ، ح 51 ، ص 41 .