السيد محمد تقي المدرسي
182
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
القديم اللغوي إلى وضعها الجديد ، وهنا إذا ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وآله ولا نعرف تاريخه لا نستطيع التأكد من مراده : هل هو المعنى الجديد أو القديم ؟ وهنا نعود مرة أخرى إلى التفصيل الذي ذهب إليه البعض حسب الأزمنة المختلفة . الدليل الثاني إنّ الشريعة السمحاء سلكت في بيان أحكامها سنن العقلاء والتي نسميها بالعرف ، والعقلاء إذا أرادوا بيان معانٍ جديدة من كلمات معروفة أشاروا إلى ذلك حتى لا يبقى غموض عند الناس بالنسبة إلى مقصودهم ، مثلًا أهل كل علم يبدؤون ببيان مصطلحاتهم فيه ثم يسترسلون في بيان أفكارهم ، كذلك أهل كل مبدء ودين وحركة سياسية . والشرع الذي جاء ببصائر لم يعهدها الناس لم يكن معقولًا أن يستخدم الكلمات دون بيان معانيها سلفاً بطريقة أو بأخرى . قال المحقق الكاظمي ( قُدِّس سره ) وهو يسترسل في بيان هذه الحجّة : « إنّ اهتمام الشارع في بيان الشريعة ، أعظم من اهتمامهم ( أصحاب العلوم والحِرَف المختلفة ) في حِرَفِهِم وصناعاتهم ، وملاحظته للحِكَم ( لعلّها جمع حكمة ) أعظم من ملاحظتهم ، والاحتياج إلى أداء تلك المعاني ( وإبلاغها للناس ) أعظم من الاحتياج إليها ( أي إلى تلك الحِرَف ) » . « 1 » مناقشة الدليل الثاني إنَّ هذا الاستقراء متين ، ولكن السؤال : هل إنَّ الشارع كان بحاجة إلى وضع اللغات وتأسيس المصطلحات أم كان يمكنه الاكتفاء بإضافة شروط إلى مصاديق اللغات المعلومة ؟ فمثلًا أسماء العبادات ( الصلاة ، الصيام ، الحج ) كانت معروفة عند العرب الذين كان بعضهم يدين بالحنفية الإبراهيمية وكانوا يعاشرون اليهود وبعض النصارى ، أفلم يكن من الممكن أن يستخدم الشارع ذات الأسماء في ذات المعاني بعد تطوير في مصاديقها بإضافة أجزاء أو شروط ؟ كما أنّ أسماء المعاملات ( البيع ، الإجارة ، الإعارة ، الإيداع وما أشبه ) كانت معلومة
--> ( 1 ) - هداية المسترشدين ، ج ، ص 98 .