السيد محمد تقي المدرسي
147
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وقد ناقش البعض في هذا الفارق بالقول : « إنّه إذا كان مدلول الجملة الإنشائية هو ما ذكره هؤلاء من معنى كلمات : الطلب والتمنّي والترجّي والاستفهام ، كان مدلول الجملة ومدلول هذه المفردات واحداً ، فما هو الفارق ؟ » « 1 » وأظن أنّ الفرق إنما هو في تركيز المعنى وإظهار المزيد من الاهتمام به وهذا في الواقع هو الفارق التالي عندهم . ثانياً : إنّ مدلول الجملة الإنشائية مثل ( اضرب ) هو النسبة الطلبية الخاصة ، ومدلول الجملة الخبرية مثل ( أطلب منك الضرب ) هو نسبة الطلب إلى المتكلم . قالوا : « وفرق واضح بين نسبة الطلب إلى المتكلم في الجملة الخبريّة وبين الطلب الواقع نسبة في الجملة الإنشائيّة » . « 2 » وبتعبير آخر : إن الطلب والتمنّي وما أشبه عند التصريح بهما يصبحان معنى إسميّاً ، بينما عند وجودهما ضمن الجملة فهما معنيان حرفيّان . « 3 » ثالثاً : إنّ لكل نسبة وعاءً تتحقق فيه ، وهذا سارٍ في الجملة الإنشائية والإخبارية معاً ، إلّا أنّ وعاء الأولى معانيها من الطلب والتمنّي وما أشبه ، بينما وعاء الثاني الواقع الخارجي . وعند التأمّل في هذه الفوارق الثلاث نجدها تعكس حقيقةً واحدةً ، فما هو الوعاء ؟ إذا كان الوعاء معنىً حرفيّاً آخر غير النسبة ، بمعنى إنّ جملة " زيد قائم " تعكس نسبة القيام إلى زيد بينما إذا أضفنا إليها ( هل ) الإستفهامية يكون لدينا نسبة إضافية هي الاستفهام ، وهو هنان معنى حرفي لأنه جاء ضمن النسبة ولم يستقل بالبيان . وهذا المعنى صحيح ، ولكن عند التأمل نجد أن وعاء التحقق والثبوت لم ينتف هنا ، فإنّ معنى " هل زيد قائم " هو الاستفهام والسؤال عن تحقّق نسبة قيام زيد ، وهكذا كان لحرفِ ( هل ) معنىً جديداً أضيف إلى معنى " زيد قائم " دون أن يبدِّل وعاءه .
--> ( 1 ) - البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 264 . ( 2 ) - المصدر ، نقلًا عن نهاية الدراية ، 1 / 30 . ( 3 ) - أنظر : المصدر ، ص 265 .