السيد محمد تقي المدرسي

123

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

وهكذا أثبت سيبويه معنى للحرف ولكنه مختلف عن معنى الاسم والفعل . أمّا النص المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كلمته التي ألقاها إلى أبي الأسود الدوءَلي فقد حدَّدَ للحرف معنى ولكن ليس فيه وإنما في غيره ، فقال عليه السلام عن ذلك : " والحرف ما أوجد معنىً في غيره " « 1 » وأوضح الزجاجي هذا النص بما يلي : « إنَّ ( مِنْ ) تدخل في الكلام ( للتبعيض ) فهي تدل على تبعيض غيرها لا على تبعيضها نفسها « 2 » » . وبقي سؤال : إذا كان إختلاف معنى الحرف عن غيره في أنّ الحرف يُوجِد معنى في غيره ، فإنَّ هناك كلمات مشابهة له في المعنى ولكنها أسماء ، مثل الابتداء والانتهاء ( في مقارنة لكلمتي مِنْ وإلى ) وأجاب السكاكي عن ذلك بأنَّ معنى الابتداء والانتهاء ليس معنى الحرف مباشرة ، وإنما معناه شيء يرجع إلى الابتداء والانتهاء « 3 » . وسؤال آخر طرحه أبو علي الفارسي : إذا كان الحرف يدل على معنى في غيره ، « فإنّه ينبغي أنْ تكون أسماء الأحداث كلّها حروفاً ، لأنّها تدل على معانٍ في غيرها » ثم أضاف : « فإن قال ( قائل ) : فإن ( القيام ) يُتوهَّم منفرداً من ( القائم ) . قيل له : فإنَّ ( الإلصاق ) و ( التعريف ) اللذَيْن يدل عليهما باء الجر ولام المعرفة قد يُتوهَّمان منفردين عن الاسمين « 4 » » . مناقشة الآراء هذه الآراء التي أطلقها خبراء اللغة يصعب رميها بالخطأ أو الشذوذ ، لأنّها صدرت من عارفين باللغة وممارسين دوراً أساسياً في نقد الكلمات ، ولكن كيف نتعامل معها وهي في بادئ النظر متناقضة ؟ علينا أولًا أنْ نسأل : لماذا اختلفت آراؤهم في معنى الحرف ولم تختلف في معنى الاسم والفعل ؟ الجواب : إنَّ هناك بعض الغموض يكتنف الحرف ، وربما تختلف الحروف فيما بينها مما يجعلنا في حيرة من أمرها .

--> ( 1 ) - بحارالانوار ، ج 40 ، ص 162 ( تاريخ أمير المؤمنين ، باب 93 ، في علمه وأنّ النبي علّمه ألف باب ) و : الفصول المختارة ، ص 91 . ( 2 ) - البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 201 ، عن : الإيضاح للزجاجي ، 54 . ( 3 ) - المصدر ، ص 202 ، نقلا عن : مفتاح العلوم ، 202 . ( 4 ) - المصدر ، ص 203 ، عن : شرح المفصّل لابن يعيش ، ج 8 ، ص 3 .