السيد محمد تقي المدرسي

124

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

ونتساءل ثانيا : إذاً كيف نتعامل معها ؟ يبدو إنَّ جانبا من الاختلاف ناشىء من اختلاف النظر في أبعاد معنى الحرف ومراحله ، وبعضه ناشىء من التعبير . كيف ؟ فيما يلي بعض التفصيل : حينما أكّد سيبويه على وجود معنى للحرف ، ولكنه معنى مختلفاً عن الاسم والفعل ، فإنّه قد بيَّن شيئاً بديهياً تقريباً ، إذ عدم وجود معنى بتاتاً للحرف ينافي وجوده فما من كلمة الا ويتلفظ الناس بها لمعناها « 1 » . أما حكاية كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بانَّ الحرف يُوجِد معنى في غيره ، فإنّ له صورتين : الأولى : أن يكون ذلك الغير قسمين والحرف يحدّد واحداً منهما ، مثلًا : الانسان رجل وامرأة ، والحرف يُحدِّد أيّاً منهما هو المراد . والرجل مُعرَّف ومنكَر والحرف يحدّد أيّاً منهما ، تماما مثل الاعراب ، فإنّ الشخص ( زيد مثلا ) يمكن أنْ يكون ضارباً ويمكن أنْ يكون مضروباً في قولنا ( ضرب زيدٌ عمرواً ) وهنا نعرف بالرفع أنّه هو الضارب « 2 » . الثانية : أنْ يوجِد الحرف معنى إضافياً للاسم ، فالبصرة والكوفة يضيف الحرف إلى معناهما كبلدين أنّ أحدهما أصبح مبتدء المسير والثاني منتهاه في قولنا : ( سرتُ من البصرة إلى الكوفة ) . وهذا ما ذكره الزجاجي في تفسير الإيجاد . وقد قلنا سابقا إنّ الحرف يُعبِّر عن صلة الأسماء ببعضها ، وواضح أنَّ الصلة تعني أمراً في الطرفين ، مثلا : الصلة بين السير والبصرة أو بين السير والكوفة . أما ما ذكره من الاختلاف بين كلمتي الابتداء و ( مِنْ ) أو بين كلمتي الانتهاء و ( إلى ) فإنّه في الواقع قد أشار إلى فرق ولكنه لم يوضّحه ، والظاهر أنّ الفرق بينهما في الاستقلالية والتبعية ، فإنَّ الابتداء ( كإسم ) مثل الابتداء ( كحرف مِنْ ) إلّا أنَّ المتحدث إذا أراد بيان ما يتّصل بالابتداء جاء به إسماً ، مثل قولنا : الابتداء خير من الانتهاء ، وأمّا إذا أراد به حالة في

--> ( 1 ) - هناك مناقشة لرأي أصولي يرى عدم وجود أيّ معنى للحرف إلا بقدر معاني إلاعراب ، وسوف نرى إن شاء الله تعالى أن ذلك - بدوره - معنى . ( 2 ) - سيأتي إن شاء الله تعالى نظرية التحصيص وأنَّ الحرف يحدد حصّةً من الاسم وذلك عند بيان آراء علماء الأصول .