السيد محمد تقي المدرسي
106
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
التعبير . أما الوضع فهو عندهم اعتبار هذا الوجود ، أو إن شئتَ قلتَ ( إبداع أو إنشاء وخلق هذا الوجود ) وواضح جدّاً أنّ ذلك تعبير آخر عن اعتباره لأنَّ الخلق لا يتم في الواقع بل في الاعتبار . وعند التأمل في كلماتهم نعرف أنَّهم عبّروا عن الاعتبار بطريقتهم دون أن يكون هناك إختلاف في الجوهر بين رأيهم ورأي القائلين بأنّ الوضع هو الاعتبار . تكاملية النظريات في حقيقة الوضع وفي ختام هذه الحوارات يتبين لنا أنّ الآراء المختلفة يمكن أن تتكامل إذا تأملنا فيها في ضوء الدراسات الحديثة وفي ضوء ممارستنا اليومية للوضع وللإستخدام المنظّم للّغة ، كيف ؟ فيما يلي نشرح ذلك عبر نقطتين : ألف : نظريّة الاختصاص ونظريّة الوجود التنزيلي لا تتنافيان مع سائر نظريّات الوضع ، لماذا ؟ لأنّ اختصاص الكلمة بالمعنى يأتي بعد الوضع ، فلا ريب أنَّ كلّ كلمة تختص بمعنى بعد الوضع ، وإنما البحث حول عملية الوضع . كذلك يتحقّق وجود معنوي للشيء عبر اسمه والذي اعتبره الفلاسفة نوعاً من الوجود ، فهذه النظرية أيضا لا ترتبط بأصل الوضع بل بما يتحقق بعده ، وكذلك نظريّة ( الإشارة ) و ( العلامة ) فهي تتناول مرحلة ما بعد الوضع ، فبعد الاعتبار والتعهّد تتحقق علامة الاسم للمسمى . باء : أما نظريّة الاعتبار فهي تتداخل مع نظرية التعهّد ، لأنَّ الاعتبار هو التزام الانسان المعتبِر ( بالكسر ) بشيء والالتزام هو العهد إذا كان من طرف واحد ، والتعهّد إذا كان له طرف آخر يلتزم به ، فمن تعهَّد بشيء فهو قد التزم به ، ومن التزم بشيء فقد اعتبره ، أي إحترم التزامه ، والبنك يفتح اعتبارا ويعتمده ثم يلتزم بنتائجه . وهكذا لم نجد فرقا أساسيا في جوهر نظريّة الاعتبار مع جوهر نظريّة التعهّد ، إلا أنَّ الثانية أوضح وأقرب إلى الحالة الاجتماعية ، باعتبار أنَّ اللغة هي وسيلة التفاهم بين الناس ، وهي بالتالي حالة اجتماعية ، ومن دون اعتبار المتفاهمين بها لا تنفع شيئا ، وهكذا لو سمّى شخص ابنه باسم وكان النظام الاجتماعي لا يعترف بحقه في ذلك ، بل كان لابد من تصديق الدولة له وثبته في السجلات الرسمية مثلا ، فإنَّ تسميتَه تكون في حدود بيته ولا تَعُمّ المجتمع ، لأنّ اللغة