الشيخ حسين المظاهري
36
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
صفات الجلال فيعبدونه خوفاً . قال تعالى : « تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً » . « 1 » وقد يتجلّى في قلوبهم حبّ اللَّه تعالى فيعبدونه حبّاً له ، وقد يتجلّى في قلوبهم الوفاء ولزوم شكر المنعم فيعبدونه شكراً له ، وقد يعبدونه لمرضاته لتجلّى الرّضا والتّسليم عليهم ، وقد يعبدون اللَّه تعالى لكونه ربّاً فاطر السّموات والأرض لتجلّى ذلك الاسم عليهم ، وقد يعبدون اللَّه تعالى خشية منه لكون التجلّى حينئذ بجبروته ، كما انّهم يعبدون اللَّه لكونهم عباداً وهو المولى لتجلّى مقام العبوديّة على قلوبهم وذلك أشرف مقاماتهم وأعلاها وهو المقام الّذي لا يتحمّله ملك مقرّب ولا نبىّ مرسل ولا خطر ببال أحد سواهم ، فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرّة أعين . وبما ذكرنا تستطيع ان تجمع بين الرّوايات المتخالفة بظاهرها ، ونحن نذكرها انشاء اللَّه تتميماً للبحث . فتلخّص من جميع ما ذكرناه اوّلًا : انّ غالب النّاس يعبدون اللَّه تعالى ولكن دواعيهم في العبادات مختلفة . وقد ذكرنا لك أزيد من خمسين داعياً ، ولعلّك تقدر ان تعدّ أزيد من ذلك بعد التأمّل . واتيان العمل رياءً لا يكون إلّالقليل من النّاس وهم الكفرة الفجرة وهم المشركون حقّاً ، وسيجئ البحث انشاء اللَّه تعالى عن الرّياء والرائي . وثانياً : انّ عبادات الكمّلين حتّى أهل البيت عليهم السلام الّذين يُطلق عليهم كلمة العباد وعباد اللَّه حقّاً لا تكون على نسق واحد بل انّها بحسب الدّواعى مختلفة . فكانوا قد يعبدونه للحوائج الدنياويّة وقد يعبدون اللَّه للآخرة وقد يعبدونه تعالى للَّه بمراتبها ، واستظهار ذلك من القرآن ليس ببعيد بل يظهر منه انّهم قد كانوا يجمعون بين
--> ( 1 ) - / السّجدة / 16