الشيخ حسين المظاهري
80
فقه الولاية والحكومة الإسلامية
والمحقّق نصير الدين الطوسيّ رحمه الله يشير في شرح هذه القطعة من المتن إلى أنّ الإنسان خُلق للاستكمال - أي : لأن يصل إلى كماله اللائق به - ، ولا يمكن الوصول إلى هذا الكمال إلّا في مجتمعٍ صالحٍ متّسقٍ خالٍ عن الهَرَج والاضطراب . فلوانضممنا هاتين المقدّمتين إلى قاعدة اللطف نستنتج انّه يجب على اللّه - سبحانه وتعالى - بمقتضى لطفه أن يعيّن أحداً لأن يولّى أمر المجتمع وينتظم روابط الناس حتّى تكون حياة الناس على ما هو اللائق بهم ويصلهم إلى كمالهم المطلوب لهم « 1 » . ومعنى قولنا : « يجب على اللّه » : انّ اللّه - سبحانه وتعالى - عالمٌ باحتياج الناس إلى الولاية ، وهو جوادٌ يفعل ما ينبغي كما ينبغي ، فمقتضى علمه وجوده أن يرسل الرسول ومن بعده أن يعيّن الوالي لئلّا تقف قافلة المجتمع عن حركته الاستكماليّة « 2 » .
--> ( 1 ) . قال المحقّق الطوسيّ رحمه الله : « الإنسان لايستقلّ وحده بأمور معاشه ، لأنّه يحتاج إلى غذاءٍ ولباسٍ ومسكنٍ وسلاحٍ لنفسه ولمن يعوله من أولاده الصغار وغيرهم . وكلّها صناعيّةٌ لا يمكن أن يرتّبها صانعٌ واحدٌ إلّافي مدّةٍ لا يمكن أن يعيش تلك المدّة فاقداً إيّاها أو يتعسّر إن أمكن . لكنّها تتيّسر لجماعةٍ يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها يفرغ كلّ واحدٍ منهم لصاحبه عن بعض ذلك ، فيتمّ بمعارضة ، وهي أن يعمل كلّ واحدٍ مثل ما يعمله الآخر ومعاوضةٍ وهي أن يعطي كلّ واحدٍ صاحبه من عمله بإزاء ما يأخذه منه من عمله . فإذن الإنسان بالطبع محتاجٌ في تعيّشه إلى اجتماعٍ مؤدٍّ إلى صلاح حاله ؛ وهو المراد من قولهم : الإنسان مدنيٌّ بالطبع ، والتمدّن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع ، فهذه قاعدةٌ . ثمّ نقول : واجتماع الناس على التعاون لا ينتظم إلّاإذا كان بينهم معاملةٌ وعدلٌ ، لأنّ كلّ واحدٍ يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه في ذلك وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره ، فيقع من ذلك الهرج ويختلّ أمر الاجتماع ، أمّا إذا كان معاملةٌ وعدلٌ متّفقٌ عليهما لميكن كذلك ، فإذن لابدّ من شريعةٍ . . . فإذن لابدّ من شارعٍ هو نبيٌّ ذو معجزةٍ ، وهذه قاعدةٌ ثالثةٌ . . . . ثمّ إنّ جميع ذلك مقدّرٌ في العناية الأولى لاحتياج الخلق إليه ، فهو موجودٌ في جميع الأوقات والأزمنة » ؛ راجع : نفس المصدر . ( 2 ) . هذا التوضيح دفعٌ لما أورده الإمام الرازيّ على هذا المبنى القويم ، انظر : نفس المصدر أيضاً ص 373 .