الشيخ علي الكوراني العاملي
734
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
ولكن يهدى . أي لا يعلم شيئاً ولا يعرف ، أي لا هداية له ، ولو هدي أيضاً لم يهتد ، لأنها موات من حجارة ونحوها ، وظاهر اللفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى : إن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ « الأعراف : 194 » وإنما هي أموات ، وقال في موضع آخر : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ « النحل : 73 » . وقوله عز وجل : إنا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ « الإنسان : 3 » وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « البلد : 10 » وَهَدَيْنا هُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « الصافات : 118 » فذلك إشارة إلى ما عَرَّفَ من طريق الخير والشر ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع . وكذا قوله : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حق عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ « الأعراف : 30 » إنكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ « القصص : 56 » . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ « التغابن : 11 » فهو إشارة إلى التوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحراه الإنسان وإياه عنى بقوله عز وجل : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « محمد : 17 » . وعُدِّيَ الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه ، وفي مواضع باللام ، وفي مواضع بإلى ، قال تعالى : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « آل عمران : 101 » وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « الأنعام : 87 » وقال : أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحق أَحق أَنْ يُتَّبَعَ « يونس : 35 » وقال : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى « النازعات : 18 » . وما عُدِّيَ بنفسه نحو : وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً « النساء : 68 » وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « الصافات : 118 » اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « الفاتحة : 6 » أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله « النساء : 88 » وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً « النساء : 168 » أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ « يونس : 43 » وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً « النساء : 175 » . ولما كانت الهِدَايَةُ والتعليم يقتضي شيئين : تعريفاً من المعرف وتعرفاً من المعرَّف ، وبهما تم الهداية والتعليم ، فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صح أن يقال : لم يَهْدِ ولم يعلم اعتباراً بعدم القبول ، وصح أن يقال : هَدَى وعلم اعتباراً ببذله . فإذا كان كذلك صح أن يقال : إن الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم ، وصح أن يقال : هَدَاهُمْ وعلمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ . فعلى الاعتبار بالأول يصح أن يحمل قوله تعالى : والله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ « التوبة : 109 » وَالْكافِرِينَ « التوبة : 37 » . وعلى الثاني قوله عز وجل : وإما ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى « فصلت : 17 » والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال : هداه الله فلم يهتد ، كقوله : وأما ثَمُودُ ؟ الآية ، وقوله : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله « البقرة : 142 » فهم الذين قبلوا هداه واهتدوا به . وقوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « الفاتحة : 6 » وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً « النساء : 68 » فقد قيل : عني به الهِدَايَةُ العامة التي هي العقل وسنة الأنبياء ، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ، ليعطينا بذلك ثواباً ، كما أمرنا أن نقول : اللهم صل على محمد وإن كان قد صلى عليه بقوله : إن الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ « الأحزاب : 56 » . وقيل : إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات . وقيل : هو سؤال للتوفيق الموعود به في قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « محمد : 17 » . وقيل : سؤال للهداية إلى الجنة في الآخرة ، وقوله عز وجل : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله