الشيخ علي الكوراني العاملي
61
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
أَسَّسَ بنيانه : جعل له أُسّاً ، وهو قاعدته التي يبتنى عليها ، يقال : أُسٌّ وأَسَاسٌ . وجمع الأس : إِسَاسٌ ، وجمع الإساس : أُسُس ، يقال : كان ذلك على أُسِّ الدهر كقولهم : على وجه الدهر . ملاحظات استعمل الأساس في قوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقْوَى . في النية والهدف من البناء ، لأنه أمرٌ معنوي أعمق من الأساس المادي . أَسِفَ الأَسَفُ : الحزن والغضب معاً ، وقد يقال لكل واحدٍ منهما على الانفراد . وحقيقته : ثوران دم القلب من شهوة الانتقام ، فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضباً ، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزناً . ولذلك سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال : مخرجهما واحد واللفظ مختلف ، فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً ، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً . وبهذا النظر قال الشاعر : فَحُزْنُ كل أخي حُزْنٍ أخو الغَضَبِ وقوله تعالى : فَلما آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ . « الزخرف : 55 » أي أغضبونا . قال أبو عبد الله ابن الرضا : إن الله لا يأسف كأسفنا ، ولكن له أولياء يأسفون ويرضون ، فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه ، قال : وعلى ذلك قال : من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة . وقال تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله . وقوله تعالى : غَضْبانَ أَسِفاً . « الأعراف : 150 » . والأسيف : الغضبان ، ويستعار للمستخدم المسخَّر ، ولمن لا يكاد يسمى فيقال : هو أسيف . ملاحظات فسر كثير من اللغويين الأسف بالغضب ، أو جعلوه جزءً منه ، مع أنهما أمران غير متلازمين ولذا تقول : أسف فغضب ، قال تعالى : وَلما رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً . أي غاضباً متحسراً لما حدث . ومعنى : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا : هل تقتل نفسك بتأسفك عليهم لعدم إيمانهم ؟ ! « تفسير القمي : 2 : 31 » . وسبب نسبتهم الأسف والغضب إلى الله تعالى أن وهب بن منبه وهو حاخام مقرب من السلطة ، غضب على شخص : « فضربه على قرنه بعصاً فإذا دماؤه تشخب . فقال وهب : وما لي لا أغضب وقد غضب خالق الأحلام ! إن الله تعالى يقول : فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ ، يقول أغضبونا » . « تهذيب الكمال : 20 / 33 » . وقد ردَّ ذلك أهل البيت عليهم السلام . وما ذكره الراغب عن الإمام الرضا فهو عن أبي عبد الله الصادق عليهما السلام رواه في الكافي : 1 / 144 ، قال : « إن الله عز وجل لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مربوبون ، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه ، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه . ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر وهو الذي خلقهما وأنشأهما لجاز لقائل هذا أن يقول : إن الخالق يبيد يوماً ما ، لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير ، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، ثم لم يعرف المكوِّن من المكوَّن ولا القادر من المقدور عليه ، ولا الخالق من المخلوق ، تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً ، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة ، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه » . وقصده بهؤلاء الأولياء النبي صلى الله عليه وآله وعترته الأئمة عليهم السلام .