الشيخ علي الكوراني العاملي
174
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
بالإرتسام لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب . أو ما يتوهم فيه ذلك ، وهو أخصُّ من القراءة ، فكل تلاوة قراءة ، وليس كل قراءة تلاوة . لا يقال : تلوت رقعتك وإنما يقال في القرآن في شئ إذا قرأته وجب عليك اتباعه . هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت « يونس : 30 » وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا « الأنفال : 31 » أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ إنا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ . « العنكبوت : 51 » قُلْ لَوْ شاءَ الله ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ . « يونس : 16 » وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً . « الأنفال : 2 » . فهذا بالقراءة ، وكذلك : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ « الكهف : 27 » وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحق « المائدة : 27 » فَالتالِياتِ ذِكْراً « الصافات : 3 » . وأما قوله : يَتْلُونَهُ حق تِلاوَتِهِ « البقرة : 121 » فاتباع له بالعلم والعمل . ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ . « آل عمران : 58 » أي ننزله . وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ . « البقرة : 102 » واستعمل فيه لفظ التلاوة لما كان يزعم الشيطان إن ما يتلونه من كتب الله . والتلَاوَة والتلِيَّة : بقية مما يتلى ، أي يتبع . وأَتليته أي أبقيت منه تلاوة ، أي تركته قادراً على أن يتلوه . وأَتْلَيْتُ فلاناً على فلان بحق ، أي أحلته عليه . ويقال : فلان يَتْلُو على فلان ويقول عليه ، أي يكذب عليه . قال : وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ « آل عمران : 75 » ويقال : لا دَرَى ولا تَلَا ، ولا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ . وأصله ولا تلوت فقلب للمزاوجة كما قيل : مأزورات غير مأجورات وإنما هو موزورات . ملاحظات 1 . اشتبه الراغب فجعل تتلو بدل تبلو ، في قوله تعالى : هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ « يونس : 30 » . وأصرَّ على اشتباهه في مادة بَلِيَ فزعم أن تبلو قراءة ، والأصل تتلو ! قال : وقرئ : هُنالِكَ تَبْلُوا كل نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ . لكنه ذكر الآية بشكل صحيح في مادة : هُنَا . أما قوله : فلان يَتْلُو على فلان ، أي يكذب عليه ! فهو في ذهنه ، ولا يوجد في العربية . 2 . تلاوة القرآن : قراءته ، وسُميت تلاوةً لأن الكلمة أو الآية منها تتلو ما قبلها . وهي مصطلح لقراءة القرآن لتمييزها عن قراءة غيره ، فيقال قرأ الرسالة ، وتلا القرآن . وليس فيها دلالة على اتباع الذي يتلو للقرآن ، ولا على تدبره وفهمه ! فالعجب من الراغب وبعض اللغويين كيف جعلوا تلاوة القرآن بمعنى اتباعه ! وهم يقرؤون قوله تعالى لبني إسرائيل : أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ . « البقرة : 44 » وقال تعالى : وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَئٍْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ « البقرة : 113 » فوبخهم لعدم اتباعهم الكتاب مع أنهم يتلونه ! نعم تلاوة الكتاب حق التلاوة تعني اتباعه ، قال تعالى : يَتْلُونَهُ حق تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . « البقرة : 121 » . ولعل الراغب أحس بخطأ اشتراط الاتباع في التلاوة فتهرب منه ، فقال : « والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة ، تارة بالقراءة ، وتارة بالإرتسام لما فيها من أمر ونهي ، وترغيب وترهيب » . فجعل القراءة بدون ارتسام نوعاً من الاتباع ! والصحيح أنها لا تتضمن اتَّباعاً . 3 . سبب تصورهم أن تلاوة القرآن تتضمن اتباعه ، أن التلاوة فيها تتابع الكلام ، فخلطوا بينه وبين اتباع القرآن . وبعض عباراتهم موهمة كقول ابن فارس « 1 / 351 » : « التاء واللام والواو : أصل واحد وهو الإتْبَاع . يقال تلوته إذا تَبِعْتَه . ومنه تلاوة القرآن لأنه يُتْبِعُ آيةً بعد آية » . وكان