الشيخ محمد إسحاق الفياض
506
المباحث الأصولية
وأما التفسير الثالث للحكومة ، فهو ما ذكره السيد الأستاذ قدس سره من أن معناها التبعيض في الاحتياط وليس معناها حجية الظن عقلًا ، ضرورة ان العقل ليس بجاعل ، وقد أفاد في وجه ذلك ان الحاكم في باب الإطاعة والامتثال هو العقل لا غيره ، وعلى هذا ففي باب الانسداد إذا تمت المقدمات ، فالعقل يحكم بتعين الامتثال الظني وعدم كفاية الامتثال الشكي أو الوهمي ، بمعنى ان العقل يرى المكلف معذوراً وغير مستحق للعقاب على مخالفة الواقع مع الاخذ بالظن والعمل به ، ويراه مستحقاً للعقاب على مخالفة الواقع على تقدير عدم الاخذ بالظن والاقتصار بالامتثال الشكي أو الوهمي . وبكلمة ان الاحتياط التام في المقام اما أنه غير ممكن أو غير واجب شرعاً ، فإذن لابد من التبعيض فيه ، فإذا وصلت النوبة إلى التبعيض ، يحكم العقل بوجوب الاحتياط في المظنونات وتركه في المشكوكات والموهومات ، وأما العكس فهو لا يمكن ، لأنه من ترجيح المرجوح على الراجح ، والنكتة في ذلك هي ان الحاكم في باب الامتثال إنما هو العقل ، فإذا دار الأمر بين الامتثال الظني والامتثال الشكي والوهمي ، استقل العقل بتعين الامتثال الظني وعدم كفاية الامتثال الشكي والوهمي ، وهذا هو معنى الحكومة في باب الانسداد . ولكن تقدم ان الظن إذا لم يكن حجة شرعاً ، فلا يصلح ان يكون مرحجاً لدى العقل أيضاً ، ولا يحكم بتقديمه على الشك والوهم في أطراف العلم الاجمالي ، باعتبار انه لا يكون مؤمناً كالشك والوهم ، والعلم الاجمالي في المقام حيث إنه منجز للتكليف في تمام أطرافه بكافة فئاتها من المظنونة والمشكوكة والموهومة ، فيكون مقتضاه وجوب الاحتياط في الجميع على حد سواء ، ولكن بما انه حرجي فلا يجب ، فإذن لابد من التبعيض والظن ، حيث إنه لا يكون حجة شرعاً ، فلا