ابن عربي

286

الفتوحات المكية ( ط . ج )

من « مائة رحمة » ، وقد ادخر سبحانه لعباده في الدار الآخرة « تسعا وتسعين رحمة » . فإذا كان يوم القيامة ، ونفذ في العالم حكمه وقضاؤه وقدره بهذه « الرحمة الواحدة » وفرغ الحساب ، ونزل الناس منازلهم من الدارين ، - أضاف سبحانه هذه « الرحمة » إلى « التسع والتسعين رحمة » فكانت مائة . فأرسلها على عباده مطلقة في الدارين . فسرت الرحمة ، فوسعت كل شيء . فمنهم من وسعته بحكم الوجوب ، ومنهم من وسعته بحكم الامتنان . ( 392 ) فوسعت ( الرحمة الإلهية ) كل شيء في موطنه ، وفي عين شيئيته . فتنعم المحرور بالزمهرير ، والمقرور بالسعير . ولو جاء لكل واحد من هذين ، حال الاعتدال لتعذب . فإذا اطلع أهل الجنان على أهل النار ، زادهم نعيما إلى نعيمهم فوزهم . ولو اطلع أهل النار على أهل الجنان ، لتعذبوا بالاعتدال لما هم فيه من الانحراف . ولهذا قابلهم بالنقيض ، من عموم المائة رحمة . وقد كان الحكم في الدنيا ، بالرحمة الدنيا ، ما قد علمتم . وهي الآن ، أعنى في الآخرة ، من جملة المائة . فما ظنك ؟ وكفى ! ( 393 ) فبمثل هذا النظر يقول العارف في الصلاة : « الرحمن الرحيم » . ومن هنا تعرف ما يجيب الحق به من هذا نظره .