الشيخ محمد إسحاق الفياض

351

المباحث الأصولية

وثانيا : أن هذا الوضع لغو ، وذلك لأن الحرف إما من الألفاظ المهملة أو الموضوعة ولا ثالث لهما ، فعلى الأول لا أثر لتقييد الاسم به حتى يوضع الاسم المقيد به لمعنى خاص ، فلو وضع لكان لغوا ، وعلى الثاني فالحرف بمقتضى وضعه يدل على الحصة فلا حاجة إلى وضع الاسم المقيد به بإزائها ، أو فقل إن الاسم يدل على الطبيعي الجامع ، والحرف يدل على تحصصه بحصة خاصة ، فإذن يكون وضع الاسم المقيد به للدلالة على الحصة لغوا . ومن هنا إن ما ذكره السيد الأستاذ قدّس سرّه يصلح في نفسه جوابا عن هذه النظرية ، وهو أن خصوصية من خصوصيات المدخول التي تدل عليها الحروف هي بعينها المعاني التي وضعت الحروف بإزائها ، إذ المفروض أن تلك الخصوصيات ليست مما تدل عليه الأسماء ، لعدم كونها مأخوذة في مفاهيمها ، فإذن لا محالة يكون الدال عليه الحروف . ولا يقاس الحروف بالحركات الإعرابية ، فإن الحركات الإعرابية لا تكون أكثر من مجرد العلامة بدون وضعها للدلالة على خصوصية من خصوصيات مدخولها ، كفاعلية الاسم ومفعولية الآخر وهكذا ، فإن « الضمة » لم توضع للدلالة على الفاعلية ، والفتحة للدلالة على المفعولية ، لأن فاعلية الاسم متقومة بصدور الفعل منه مباشرة أو بقيامه عليه كذلك ، كانت هناك ضمة أم لا ، وهذا بخلاف الحروف ، فإنه لولا حرف « في » في مثل قولنا « الصلاة في المسجد » لم تكن هناك جملة ولا حصة ، فتكوين الجملة لفظا ومعنا مرتبط بحرف « في » ، فإذن قياس الحروف بالحركات الإعرابية قياس مع الفارق . نعم ، سوف نشير في ضمن البحوث الآتية أن ما ذكره السيد الأستاذ قدّس سرّه من أن الحروف موضوعة للدلالة على تحصيص المفاهيم الاسمية وتضييقها غير تام .