ابن عربي
48
الفتوحات المكية ( ط . ج )
المادة وسعادة الجسم . والروح الكاملة تسعد مجردة عن المادة ، وتسعد مع المادة ، ولكن لا تسعد أبداً بالمادة وحدها ، وكذلك شأن القلب العظيم . ثم إن ما نسميه حسيا وماديا ، أو روحياً ومعنوياً ، يختلف ذلك كله بالقياس إلى أطوار الوجود التي يمر عليها الإنسان في رقبة المستمر . فطور الوجود في هذه الحياة الدنيا ( أو النشأة الدنيوية كما يسميها ابن عربي ) ليس مساوياً لطور الوجود في الحياة الآخرة . وبالتالي ، إن مفهوم « المادة » و « المادي » ومفهوم « الروح » و « الروحي » لمختلفان تماماً في كلا الطورين ، أو في كلتا النشأتين على حد تعبير شيخنا . ومن جهة أخرى ، إن ما نطلق عليه اسم « المادي والروحي » - هذان المفهومان هما مختلفان ليس فقط بالنسبة إلى أطوار الوجود المتعددة ، بل كذلك بالنسبة إلى مرحلة وجودية معينة ، وذلك تبعاً للمستوى العقلي والمرتبة الحضارية التي هو عليها الكائن البشرى . فكم هناك من فروق بعيدة بين ما يتصوره الرجل البدائي ، الذي يعيش الآن في مجاهل أوستراليا وأفريقيا ، عن « المادي والروحي » ، وبين إنسان العلم والإيمان والمدنية ، لهذه القيم الفكرية ذاتها ؟ وخلال بحث « النعيم الأخروي » ، ذكر الشيخ الأكبر واقعة تتعلق بحياته الروحية ، لا علاقة لها مباشرة بالموضوع الذي هو في سبيله . وتلك « رؤياه » الغريبة ، أثناء مجاورته الأولى بمكة عام 599 هجرية . فلنستمع إلى شيخنا ) ف 17 ) . « فكنت بمكة سنة تسع وتسعين وخمس مائة . أرى فيما - فيما يراه النائم - الكعبة مبنية بلبن فضة وذهب : لبنة فضة ولبنة ذهب . وقد كملت بالبناء ، وما بقي فيها شئ ( ينقصها ) . وأنا أنظر إليها وإلى حسنها . فالتفت إلى الوجه الذي بين الركن اليماني والركن الشامي ، ( الذي ) هو إلى الركن الشامي أقرب ، ( فوجدت ) موضع لبنتين : لبنة فضة ولبنة ذهب ، - ينقص من الحائك في الصفين . في الصف الأعلى ينقص لبنة ذهب ، وفي الصف الذي يليه ينقص لبنة فضة . فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع تلك اللبنتين . فكنت ، أنا ، عين تلك اللبنتين . وكمل الحائط ! » .