ابن عربي

49

الفتوحات المكية ( ط . ج )

ولا يفوتنا ، قبل أن نغادر هذا الموطن ، أن نشير إلى أن هذا الباب الخاص من أبواب السفر الخامس للفتوحات ( الباب الخامس والستين ) ، هو امتداد للأبواب الأخيرة من السفر الرابع قبله ، وتتمة لها . وسائرة هذه الأبواب تتناول موضوعا واحداً ، وهو « مشاهد يوم القيامة » ، أو ما يسمى في علم الكلام ب « الأخرويات » . وهذه الأبواب جميعاً ، مع أمثالها في كتاب « الفتوحات المكية » وغيرها من مؤلفات الشيخ الأكبر تشكل جانباً من أبرز جوانب التفكير الديني في الاسلام . وهى عند ابن عربي خاصة ، مظهر رائع لنظامه العقلاني : حيث يلتقى فيها خياله الخصب ، وفكره النافذ ، وثقافته الواسعة ، وقلمه الأدبي الشاعر . * * * أما الأبواب الثلاثة التي تلى الباب الخامس والستين من السفر الخامس ، وكذلك أسفار « الفتوحات » التالية إلى نهاية السفر العاشر ، - نقول : إن أبواب وفصول هذه الأسفار كلها مخصصة لدراسة موضوع واحد ، وهو أركان الإسلام الشرعية الكبرى ، من شهادة وصلاة وصوم وزكاة وحج . وقد درس الشيخ الأكبر هذه الأركان ، وخاصة الأربعة الأخيرة ، من الوجة الظاهرية الرسمية ، ومن الوجة الباطنية الروحية . والأمر الجدير بالملاحظة هو ، قبل كل شئ ، كثرة الأسفار التي أعدها ابن عربي لمعالجة هذا الجانب المعين من النشاط الديني والروحي . فهذه الأسفار الستة من « الفتوحات الملكية » هي ، من الناحية العددية الصرفة ، مساوية تماماً لجميع الأسفار التي خصصها الشيخ الأكبر لدراسة مذهبه الفكري ومنهجه العقلي المتعلقين بالله والكون والإنسان . وإذا قارنا ، مثلا ، صنيع ابن عربي في هذا الميدان ، مع ما قام به صحة الإسلام في « إحياء علوم الدين » وأبو طالب المكي في « قوت القلوب » ، لنفس الفكرة والموضوع ، لرأينا أن الفرق بين وبينهما عظيم جداً . إن قسم « العبادات » في الإحياء لم يشغل سوى مائة وخمسين صفحة . وهو في « القوت » لم يزد على ثلاثة فصول ( الفصل الثالث والثلاثين ، الفصل الرابع والثلاثين ، الفصل السادس والثلاثين ) . على حين أن « أسرار الشريعة والعبادات في الإسلام » تحتل أكثر من ألف صفحة في أسفار الفتوحات الملكية . وهذه ظاهرة هامة . ذات دلالة بعيدة لفهم منزلة « الشريعة وصلاتها القوية مع « الحقيقة » عند الشيخ الأكبر . إذ هما ، في الواقع ، أساس كل تجربة روحية تحريرية » .