ابن عربي
47
الفتوحات المكية ( ط . ج )
المقدمة يتألف السفر الخامس لكتاب « الفتوحات المكية » من ستة أجزاء ، يتضمنها أربعة أبواب . وهو ، بذلك ، يختلف عن نظائره من أسفار « الفتوحات » المتقدمة عليه ، سواء بالنظر إلى عدد أجزائه ، أو بالنظر إلى عدد أبوابه . فأجزاء الأسفار السابقة ، ما عدا السفر الرابع منها ، كل واحد مكون من سبعة أجزاء تماماً ، وعدد أبواب كل سفر فيها ، مختلف بينها : فالسفر الرابع ، مثلا ، مشتمل على أربعة وعشرين باباً ، والثالث ، على أربعة وعشرين باباً ، والثاني ، على أربعة عشر باباً ، والسفر الأول مشتمل على بابين مع خطبة الكتاب وفهرس أبوابه ومقدمته العامة . هذا ما يتعلق بالناحية الشكلية للسفر الخامس ، بالنسبة إلى ما سبقه من أسفار الفتوحات الأول ، أما ما يخص الجانب الموضوعي منه ، فجميع مباحثه العلمية ومسائله الفكرية وقضاياه العقلية تمتاز بطابع الوحدة والارتباط والانسجام . الشئ الذي كنا نفقده غالباً في أسفار الفتوحات الماضية . وفي الواقع ، جميع أبواب هذا السفر ، باستثناء الباب الأول ، تدور حول موضوع كلى واحد ، وتتناول مشكلة عامة واحدة ، ألا وهى أسرار الشريعة في جوانبها المختلفة : العقلية والفقهية والباطنية . وسيكون كذلك صنيع شيخنا في الأسفار الخمسة التالية لهذا السفر من الفتوحات المكية . عالج ابن عربي في الباب الأول هنا ( الباب الخامس والستون ) قضية « النعيم الأبدي في الآخرة » ، ومراتب البشر في الجنة ، وأقسام الجنة الثلاث : جنة الاختصاص ، وجنة الميراث ، وجنة العمل . كما بين أسمى حالات السعادة في السماء ، وهى رؤية الله عياناً بلا حجاب . وتلك آية تحرير الإنسان المطلق ، وخلوده في الأبد . ولم ينس شيخنا ، في هذا المقام ، أن يتعرض لمسألة « النعيم الحسى والروحي » في حديثه عن « أفراح السماء » . ويرى شيخنا ، بحق ، أن الجدال العنيف الذي أثير حول « نعيم الجنة » - ولا يزال يثار - : هل هو حسى أو معنوي ؟ هو ، في نظره ، في غير ذي موضوع . إن البهجة والسعادة هما ، أساساً ، بهجة الروح وسعادة القلب ، لا بهجة