ابن عربي
45
الفتوحات المكية ( ط . ج )
تصدير أشرنا فيما مضى إلى علم بن عربي الغزير ، ومعرفته الواسعة ، وأصدق دليل على ذلك « الفتوحات المكية » نفسها . وقد رأيناه فيها يتنقل من فنن إلى فنن ، ومن زهرة إلى أخرى . يتحدث عن الأدب واللغة تازة ، وعن الحديث والتفسير تارة أخرى . وهو ولا شك فيلسوف ومتصوف ، متكلم وفقيه . ويكاد يقف هذا السفر على أسرار العبادات ، يلم بها إلماماً دقيقاً ، ويحللها كدأبه ، تحليلا مفصلا ، ويحيط بأحكامها إحاطة تامة . فيعرض للطهارة والنجاسة ، والطهر والغسل ، ويقف طويلا عند الوضوء وأعضائه وأركانه ، ولم يفته أن يتحدث عن التيمم والمسح على الخفين . ويسهب في الحديث عن الغسل وأنواعه ومقتضياته . ويدخل في تفاصيل قد لا نجدها في كتب الفقه المطولة . وأغلب الظن أنه نشأ على مذهب مالك ، ولكن لا يبدو في عرضه أنه متعصب لمذهب بعينه . والذي يعنيه خاصة أن يبين سر المندوب والواجب والمحرم . وقد فاق في هذا صنيع المتصوفة الآخرين . والتقابل بين الحقيقة والشريعة أمر شغل به المتصوفة منذ عهد مبكر ، وكان لهم فيه أخذ ورد عنيفان في القرنين الثالث والرابع للهجرة ، وربما وصل ذلك إلى حد الخصومة . فلم يقنع فريق منهم بظاهر الأوامر والنواهي الدينية . وشغل بالبحث عن باطنها . ورأى أن ما انتهى إليه الفقهاء من أحكام ليس إلا مجرد رسوم وأوضاع لا حياة فيها ولا روحانية . هي مجرد ظاهر الشرع . أما باطنه فيكشف عن معاني الغيب ، ويلقى في القلب إلقاءاً ، إنه الحقيقة أو علم الباطن ، وهذا ما اختص به المتصوفة وتفننوا فيه . يقول رويم البغدادي : « كل الخلق قعدوا على الرسوم ، وقعدت هذه الطائفة ( الصوفية ) على الحقائق . طالب الخلق كلهم بظواهر الشرع ، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق . » وفي تغليب الروحية على المادية ما قد يؤدى إلى إلغاء التكاليف والتهاون بأوامر الله ونواهيه . وأنصار الروحية قد لا يأبهون بأعمال الجوارح من صلاة وصيام . فلا يفرقون بين فرض ونافلة ، وربما كان النفل أعلى مرتبة ، وبلغ الأمر ببعضهم أن قال : « إن الفرائض توصل إلى الجنة ، والنوافل توصل إلى صاحب الجنة » .