عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

57

معارج التفكر ودقائق التدبر

وبهذا يضرب اللّه مثلا للكلمة الخبيثة بشجرة خبيثة متصوّرة ذهنا ، ولا يشترط أن يكون لها وجود في أشجار الأرض ، وهذه الشّجرة الخبيثة مقطوعة من فوق الأرض عن جذورها ، فهي لا تستمدّ ماء ولا غذاء ، فلا يكون لها خضرة ولا نضرة ، وإن بقي منها صورة شيء فهي ساقطة على الأرض لا نفع فيها ولا ورق ولا ثمر ، وإن يصلح منها شيء فلا يصلح إلّا للحريق بنار يوم الدّين . والكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر باللّه أو بصفاته أو بأسمائه الحسنى أو بأفعاله ، أو بكتابه ، أو برسله عليهم السّلام ، أو بحقّه على عباده ، وكلمة الباطل ، والكلمة الداعية إلى كفر أو شرّ أو إثم أو فسوق أو عصيان للملك الدّيّان ، والكلمة الدّاعية إلى اتّباع الشّيطان ، ونحو ذلك من كلمات . فكلّ كلمة خبيثة هي كشجرة خبيثة متخيّلة مقطوعة الصّلة بما يمدّها من ماء وغذاء ، ضارّة غير نافعة ، لا ورق لها ولا ثمر . إنّ الكلمة الخبيثة مقطوعة الصّلة بما يمدّها من العلم الرّبّاني ، المحيط بكلّ شيء ، والّذي لا يمدّ إلّا بالحقّ والخير والنّور والهداية إلى ما يوصل إلى السّعادة الأبديّة ، من اهتدى بها ، واتّبع صراطها ، وعمل بما ترشد إليه . هذا التّشبيه التّمثيليّ الّذي جاء بعضه مصرّحا به ، وطوي سائره في طيّات النّصّ ؛ من روائع التّشبيهات القرآنيّة ، الّتي يسيح ذهن الأديب اللّمّاح في الخبايا المطويّة في مثانيها . وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الخامس من دروس سورة ( إبراهيم ) . والحمد للّه على معونته ، ومدده ، وتوفيقه ، ومنّته ، وفتحه .