عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

35

معارج التفكر ودقائق التدبر

جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ : أي : جاءتهم رسلهم المرسلون إليهم من ربّهم ، مصحوبين بالآيات البيّنات الواضحات ، وهي قسمان : الأوّل : خوارق عادات ومعجزات كبرى مثبتات صدق رسل ربّهم . الثاني : آيات بيانيّة كلاميّة دالّات على أصول الدّين وقواعده وأحكامه وشرائعه ، ومطلوبات اللّه من عباده في حياة الامتحان ، مع ما يرافقها من وسائل إقناع وترغيب وترهيب وتربية . فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ : هذه العبارة دلّت بأسلوب الكناية ، على أنّ أقوام الرّسل رفضوا الاستماع لبياناتهم الدّاعية إلى دين اللّه الحقّ ، لأنّهم متمسّكون بكفريّاتهم ، وأنواع سلوكهم الملائمة لكفريّاتهم ، ومفهوماتهم الباطلات ، وتعلّقهم بالحياة الدّنيا وزيناتها ، وإيثارهم إيّاها على الآخرة . إنّ محدّث النّاس بشأن قضايا لا يؤمنون بها ، وهو واقف بينهم ؛ يستعمل في الغالب يديه للفت أنظارهم إلى أقواله ومعانيها ، في الإثبات ، والنّفي ، والاستفهام ، والجمع ، والتّفريق ، والعدد ، والارتفاع ، والانخفاض ، والجهات السّتّ ، والإشارة إلى شيء ، إلى غير هذه من المعاني الّتي تساعد حركات اليدين على إدراكها بسرعة . وحين يوجّه بعض حضور دعوة الرّسل أسماعهم وأنظارهم إلى تفهّم دعوتهم ، يغتاظ قادة القوم وكبراؤهم ، فيقوم بعضهم إلى الرّسول فيأمره بالسّكوت والانصراف ، فإذا تابع الرّسول دعوته أمسك سفيه القوم بيد الرّسول الّتي يشير بها ، وردّها إلى فيه بعنف ، وربما أدخل بعض أصابعها فيه ليسكته . هذه الحركة صارت حركة يكنّى بها عن رفض الاستماع لدعوة الداعي ، ورفض دعوته كلّها .