عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

36

معارج التفكر ودقائق التدبر

وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ : أي : وقالوا مؤكّدين ب « إنّ - والجملة الاسميّة » لرسل ربّهم إليهم : كفرنا بتوحيد ربوبيّة اللّه وبتوحيد إلهيّته ، وبكلّ ما أرسلتم به من مفهومات تقولون : إنّها دين اللّه للنّاس . أي : نرفض أن نؤمن بها ، ونتّبع ما فيها من أوامر ونواهي ووصايا . . . . وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 9 ) : أي : وإنّا لفي محيط من الشّكّ ، نفورا ممّا تدعوننا إليه ، وهذا الّذي تدعوننا إليه المخالف لدين آبائنا وأجدادنا ؛ يوقعنا في الرّيب من غايتكم من دعوتكم ، إذ نقدّر أنّكم جئتم بها لتحتلّوا مركز الرّئاسة ، والقيادة ، والسّلطة الأولى في البلاد ، والملك . قول اللّه تعالى مبيّنا ردّ الرّسل عليهم السّلام على أقوامهم وردّ الأقوام على رسلهم عليهم السّلام : * قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 10 ) : لمّا كان الأصل الأوّل لدعوة جميع رسل اللّه الإيمان باللّه فاطر السّماوات والأرض ، والمهيمن على كلّ ما سواه بصفات ربوبيّته ، كان الحوار الفكريّ مع المخالفين في قضايا الدّين ، يجب أن يبدأ من الأصل الأوّل في الفكر الدّينيّ الحقّ ، وهو الاتّفاق بين المتحاورين على اللّه جلّ جلاله فاطر السّماوات والأرض . فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : خالق وموجد السّماوات والأرض وفق نظام الفطر والفلق . الفطر : الشّقّ والإخراج من الباطن . وقد اختار اللّه عزّ وجلّ أن يكون خلقه ضمن نظام الفطر ، لأنّ نقطة العمق من كلّ شيء هي العدم ، فاللّه هو الموجد من العدم .