عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
778
معارج التفكر ودقائق التدبر
* لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 78 ) : أي : لقد جئناكم بما بلّغكم إيّاه رسولنا في القرآن وفي غيره بالحقّ الثّابت ، من قضايا الإيمان ، وقضايا السّلوك الجسدي والنفسيّ والفكريّ ، ودعوناكم إلى اتّباعه ، والتّمسّك به ، والتزام صراطه المستقيم ، ولكن لم تستجيبوا بعد معالجة طويلة عالجناكم بها بالإقناع وبالتّرغيب ، وبالتّرهيب وبالجدال بالّتي هي أحسن ، لما دعوناكم إليه ، والسّبب في عدم استجابتكم أنّ أكثركم يكرهون الحقّ الّذي جئناكم به ، ودعوناكم إلى اتّباعه ، وفيكم من لا يكرهون هذا الحقّ ، إلّا أنّهم متأثّرون بقادتهم ، وبغوغائيّة جماهير أتباع قادة مجتمعهم . أمّا الّذين يكرهون الحقّ ، فكراهيتهم له إنّما هي بسبب أنّ التزام الحقّ يحرمهم من تحقيق كثير من أهوائهم ، وشهواتهم ولذّاتهم ورغباتهم من متاعات الحياة الدّنيا ، وهم حريصون عليها ، وهذا الحرص يغشّي على بصائرهم ، فيجعلهم لا يرون الحقّ رؤية صحيحة ، ثمّ يجعلهم يعرضون عن مواقعه ، ثمّ يدبرون عنها ويتولّون . ثمّ التفت البيان الرّبّانيّ عن مخاطبتهم ، وتحدّث عنهم بضمير الغائبين ، مبيّنا أنّهم يبرمون مكايد ضدّ الرّسول وضدّ دعوة الحقّ الّذي يدعو إليه ، وأنذرهم اللّه جلّ جلاله ، بأنّه يبرم ما لا يستطيعون دفعه ، لإحباط مكايدهم ، ونصرة دينه ورسوله والّذين آمنوا به واتّبعوه ، فقال اللّه تعالى : * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ( 79 ) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) : « أم » في الموضعين للإضراب الانتقاليّ بمعنى « بل » مع استفهام يشعر بأنّهم يبرمون أمرا ما ضدّ دعوة الحق وضدّ الرّسول والمؤمنين ، ويشعر