عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
753
معارج التفكر ودقائق التدبر
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ( 56 ) : * وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ : يظهر أنّ فرعون علم أنّ المصريّين بدؤوا يتأثّرون بموسى وبالآيات الباهرات الّتي أجراها اللّه له ، فحشد حشدا عاما كبيرا ، وخطب فيهم خطبة العرش الفرعوني ، فكان ممّا جاء في خطبته لتثبيت ملكه ، وإبعاد تأثّر جماهير قومه بموسى وبالدّين الّذي يدعو إليه ، وأراد بمكره أن يجعل خلافه مع موسى تنافسا على الملك ، فحاول أن يستعطفهم لإخلاص ولائهم لملكه وسلطانه في مصر : ( 1 ) قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ : * يا قَوْمِ يستعطفهم بهذا النّداء بأنّهم قومه ، هو مصريّ وهم مصريون ، أمّا موسى فهو إسرائيليّ مهاجر ، ومن قوم هم عبيد لكم . وذكر أنّ هذا الملك كان « منفطاح الثاني » بن « رعمسيس الثاني » . * أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي : استفهام مسلّط على النّفي ، وجوابه : « بلى » المثبتة أنّ له ملك مصر ، وأنّ الأنهار الّتي تدلّ على عظمة قصره الملكيّ تجري من تحت قصره ، ويظهر أنّها فروع من النّيل أجراها له المهندسون والبنّاءون تحت شرفات قصره . أي : أليس لي ملك مصر ميراثا عن آبائي الملوك المؤيّدين بالقوى الغيبيّة ، فلا تتأثّروا بما يجريه موسى من سحريّات ، لينتزع الملك من أصحاب الحقّ فيه الموروث عن ملوك عظام . ومن مواريث ملكي العظيم قصري العظيم الّذي تجري الأنهار من تحت شرفاته . * . . أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) ؟ : أي : أفلا تبصرون هذه الأدلّة الملكيّة الّتي تجعلني وأسرتي أصحاب الحقّ في ملك مصر ، الّذي لا حقّ لأحد أن ينازعني فيه ، مهما قدّم من سحريّات كبيرات .