عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

708

معارج التفكر ودقائق التدبر

كتسخير العجماوات ، وقد تكون بالاختيار الحرّ ، لما في المطاوعة من مصلحة للمطاوع . * وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ : أي : وما كنّا له مطيقين لولا أن سخّره اللّه لنا ، يقال لغة : « أقرن للشّيء » أي : أطاقه وقوي عليه . * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) : أي : وإنّا إلى ربّنا لراجعون بعد الموت والبعث ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء . يقال لغة : « انقلب ، ينقلب » أي : رجع يرجع . جاء توكيد هذه العبارة بالمؤكدات : « إنّ - والجملة الاسمية - واللّام المزحلقة » والغرض الإعلان عن صدق إيمانهم بيوم الدّين ، وما سوف يجري فيه ، ممّا صحّت به الأخبار في كتاب اللّه وسنّة رسوله . وقد علّم اللّه عزّ وجلّ المؤمنين أن يذكروا هذا الذّكر العظيم ، لما فيه من تنزيه للّه عن كلّ ما لا يليق بجلاله وعظيم سلطانه ، وحمد ضمنيّ يستلزمه التّنزيه بكلمة « سبحان » مع دلالة الثّناء على اللّه بتسخير المركوب ، ولما فيه من اعتراف المؤمن بعجزه لولا تسخير اللّه له ما سخّر في كونه لعباده ، ولما فيه من إعلان الإيمان بيوم الدّين الّذي تكون فيه الرّجعة الكبرى إلى اللّه ، بعد رحلة الابتلاء في الحياة الدّنيا ، وفي العبارة طيّ الرّغبة في الرّجعة إلى مكان الإقامة ، بعد رحلة السّفر على المركوب إلى غير مكان الإقامة ، لقضاء مصالح وتحقيق منافع . فكأنّ العبارة مع المطويّ فيها : سبحان اللّه ، والحمد للّه ، الّذي سخّر لنا هذا المركوب ، وما كنّا له مطيقين لولا أن سخّره اللّه لنا ، ونسأله أن يعيدنا بعد قضاء حاجاتنا في سفرنا آمنين ، وإنّا إلى حساب ربّنا ، وفصل قضائه ، وتحقيق جزائه ، لراجعون يوم القيامة سعداء بإيماننا . وبهذا انتهى تدبّر الدّرس الثاني من دروس سورة ( الزّخرف ) . والحمد للّه على معونته ، ومدده ، وتوفيقه ، ومنّته ، وفتحه .